كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة اليوم التواصلي حول "تفعيل التزامات المحامي في منظومة مكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب"

كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة اليوم التواصلي حول "تفعيل التزامات المحامي في منظومة مكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب" يومه الخميس 05 نونبر 2020 بمدينة العيون.

بسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى أهله وصحبه أجمعين؛

 

        الحضور الكريم كل باسمه وصفته والتقدير والاحترام الواجب له؛ 

        بمشاعر الفخر و الاعتزاز نشارك اليوم بهذه الربوع الظاهرة المباركة، مدينة العيون حاضرة الصحراء، نبر بقسم المسيرة الخضراء و روحها، و نساهم في مسيرة الأوراش التنموية الإصلاحية الكبرى التي يقودها جلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتأييد بكل حكمة وتبصر ويقين.

        فكل عبارات الشكر والتقدير لجميع من ساهم في تنظيم هذا اللقاء التواصلي الهام الذي يتناول موضوعا ذي مضامين وطنية ودولية كبرى  ويثير إشكالات متعددة ومعقدة ذات أبعاد قانونية وحقوقية واقتصادية واجتماعية ويطالبنا بمقاربات إدارية و نظيمية ومالية ومهنية تتسم بالشفافية والحكامة والنجاعة.

        والشكر موصول لكل المشاركين و المتدخلين الذين سيتيحون لنا من خلال آرائهم ومقترحاتهم العملية و الواقعية، مجالات لتطوير منظومتنا الوطنية وملائمتها مع المعايير الدولية وأفضل الممارسات عبر العالم.

        السيدات و السادة الأفاضل؛

        لا يخفى على كريم علمكم أن جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب تخلف سنويا آثارا اقتصادية كبيرة على الأمن وعلى استقرار القطاع المالي للدول حيث تشير التقديرات إلى أن الخسائر لا تقل عن تريليوني دولار سنويا مما يشكل 5.2% من إجمالي الناتج العالمي مما أصبحت معه الدول مطالبة بتطوير ترسانتها التشريعية والتنظيمية والمالية لتكون قادرة على التصدي لأساليب التمويه ولبنية الإجرام التي تتطور باستمرار حيث تتخذ عمليات غسل الأموال أشكالا عدة تمزج بين طرق تقليدية واستخدام التكنولوجية الحديثة من أجل تبييض الأموال المحصلة بأشكال غير مشروعة عبر الاستعانة بآليات مالية لتوفير غطاء قانوني مستغلة في ذلك الاختلافات وعدم الانسجام بين القوانين والأنظمة الوطنية وعدم كفاية آليات التعاون والتنسيق.

        وهي ظاهرة تزداد آثارها السلبية مع ما يعرفه العالم من تطور متزايد لشبكات الإجرام العابر للقارات في علاقته مع الترابط الكبير للنظام المالي العالمي بسبب العولمة.

        ومن ثمة كان لازما على بلادنا التي تقود تجربة تنموية متفردة بتحديات جيواستراتيجية كبيرة، أن تطور ترسانتها القانونية والمالية وعلى  تقوية بنيتها الاقتصادية والإدارية وتباشر إصلاحات كبرى في مجالات مختلفة ترتكز على آليات متعددة وفق المعايير الدولية لمكافحة هذه الظاهرة الإجرامية العالمية.

        وهي كلها مداخل و آليات استطاع المغرب التعامل معها بكثير من الجدية والمسؤولية والفعالية من أجل تجنب و تخفيف الآثار الوخيمة لهذا النشاط الإجرامي وتعزز نزاهة الأسواق المالية واستقرارها.   

        لكن الأكيد أننا أمام ورش معقد يتطلب منا مقاربة تشاركية مندمجة حقيقية بين مختلف الفاعلين والمهنيين لتطوير بنية رقابة وقائية ردعية تجعلنا نصل إلى المؤشرات والمعايير العالمية 

        الحضور الكريم؛

        لاشك أن المحاماة كباقي المهن القانونية أصبحت معنية ومخاطبة بشكل مباشر من طرف المشرع الوطني و الدولي من اجل مواجهة هذه الظواهر الإجرامية الخطيرة.

        المحامي الذي يتجاوز اليوم صفته كأحد الركائز الأساسية في المحاكمة العادلة ليصبح فاعلا أساسيا في آليات اليقظة وملزما بواجب التصريح للاشتباه وسدا منيعا في الخطوط الأمامية للتصدي لهذا الإجرام الذي يتزايد يوما بعد يوم.

        ومن ثمة أصبح من اللازم علينا جميعا أن نسعى إلى تطوير آليات ممارسة هذه المهنة النبيلة لتؤدي أدوارها الأساسية للتصدي لهذه الجرائم، وأن نهتم بجدية أكبر بمجالات التكوين و التأهيل والتحسيس بالتزاماتها وواجباتها القانونية والأخلاقية لتكون في مستوى التحديات والرهانات الوطنية والدولية.

        اليوم المحامي في صلب التنمية ويجب على الجميع أن يكون في موعد مع المستقبل لمواجهة هذه الظواهر الإجرامية الخطيرة.

        والأكيد أن مثل هذه اللقاءات التواصلية وغيرها من المبادرات يمكن أن تكون أرضية ملائمة لوضع برامج ومناهج تدريب فعال يستفيد منها كل المخاطبين والمعنيين بهذا الموضوع الحيوي الهام وان ننتج مخرجات ودلائل وآليات عملية وتحسيسية مبسطة وناجحة.

        السيدات و السادة الأفاضل؛

        إذا كانت مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تمكننا من حرمان المجرمين من الانتفاع من عائدات الإجرام وتمنع من إعادة إنتاج الجريمة من خلال قطع مصادر تمويل أنشطة إجرامية أخرى وتساعد على تطهير الاقتصاد الوطني من الأموال غير مشروعة التي تخلق ما يسمى بالاقتصاد الوهمي وتمكن من استرجاع المال العام، إلا أن كل ذلك يتطلب منا مواجهة إشكالات متعددة ذات بعد قانوني وقضائي ومالي  وذات مصادر وطنية و دولية وتلزمنا بضرورة التنسيق بين الفاعلين وتعزيز آليات التعاون القضائي الدولي وهي كلها محاور عملنا على الانكباب عليها بكل جدية كمجلس أعلى للسلطة القضائية من خلال عقد وتنظيم العديد من اللقاءات والمؤتمرات والتكوينات الوطنية والدولية، وكذا إبرام اتفاقيات قضائية مرتبطة بكليات وجزئيات موضوع هذا اللقاء.

        وحرصنا أكيد على تطوير هذه الإستراتيجية مع باقي الشركاء خلال المستقبل المنظور لتعزيز المؤشرات الوطنية لتكون في المستوى المطلوب عالميا مع الحرص على مواصلة تكريس القضاء لكل ضمانات المحاكمة العادلة وسيادة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي كلها التزامات سعى إلى الوفاء بها بكل مسؤولية وطنية.

        الحضور الكريم ؛

        إننا إذا نجدد لكم كل عبارات الشكر والتقدير على هذا التنظيم والمشاركة المتميزة فإننا نؤكد لكم حرصنا التام على التفاعل بكل ايجابية والانخراط بكل جدية في جميع مبادراتكم ومشاريعكم التي تسعى إلى حماية امن المجتمع وقيمه وأهدافه في إطار الضوابط الدستورية والقانونية والأخلاقية.

        وسيبقى المجلس الأعلى للسلطة القضائية ملتزما ومواصلا للمسيرة من أجل مستقبل أفضل للعدالة لبلادنا.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛