كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال يوم دراسي حول صدور قانون رقم 73.17 من مدونة التجارة المتعلق بمساطر صعوبات المقاولة

كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال يوم دراسي حول صدور قانون رقم 73.17 من مدونة التجارة المتعلق بمساطر صعوبات المقاولة - بالمعهد العالي للقضاء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد؛

يسعدني أن نشارك جميعا في هذا اليوم الدراسي الهام الذي يوثق لحدث قانوني متميز ذي مضامين اقتصادية واجتماعية وسياسية متعددة ألا وهو صدور قانون رقم 73.17 الذي نسخ وعوض الكتاب الخامس من مدونة التجارة المتعلق بمساطر صعوبات المقاولة.

 حدث يلزمنا بواجب تقديم الشكر لكل من ساهم في إعداده وإنجازه وأخص هنا بالشكر والثناء كل من معالي رئيس الحكومة على دعمه لهذا الإصلاح التشريعي الهام ومعالي وزير العدل على مبادرته المحمودة وحرصه الدؤوب إلى جانب السادة ممثلي الأمة بالبرلمان حتى يخرج هذا القانون حيز الوجود بهذا المستوى وفي هذا التوقيت الدقيق رغم كل الإكراهات والصعوبات. وبعد نقاش جاد عبر فيه الجميع عن إرادة قوية من أجل وضع ترسانة قانونية ملائمة تستجيب للتطلعات.

والشكر موصول لكافة القضاة سواء بالإدارة المركزية أو المحاكم الذين بفضل اجتهاداتهم وخبرتهم وتجربتهم وتكوينهم ساهموا في إعداد مشروع هذا النص وتجويده وتطويره وإغنائه، وهنا لا بد من اغتنام هذه المناسبة للتنويه بالدور الكبير الذي يقوم به السادة المسؤولون والقضاة بالمحاكم التجارية وبمحكمة النقض من أجل ملائمة التشريعات والمساطر المتشعبة المنظمة لقضايا التجارة والأعمال مع المتطلبات والسياقات الوطنية والدولية التي تنشد الأمن الاستثماري المستند على نصوص مرنة متطورة وقضاء ديناميكي مجتهد.

قضاتنا يستحقون منا اليوم وبكل موضوعية الكثير من الدعم والتقدير للمجهودات اليومية الكبرى التي يبذلونها من أجل التطبيق العادل المستنير للقانون في قضايا تتسم بكثير من الصعوبات والتعقيد.

كما أغتنم فرصة هذا اللقاء لأشد بحرارة على يد كل الشركاء الفاعلين في مجال وقاية ومعالجة صعوبات المقاولة واخص هنا بالشكر الفاضلة المحترمة السيدة رئيسة الاتحاد العام لمقاولات المغرب التي عبرت في كل المحطات عن إرادة صادقة وعزم جاد من أجل أن تتبوأ المقاولة المغربية المكانة الواجبة لها.

 فلها منا كل عبارات التقدير والعرفان.

الحضور الكريم؛

 لن أضيف جديدا إذا أكدنا على الإرادة السامية لجلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتأييد التي ما فتىء يعبر عنها جلالته في العديد من الخطب والرسائل والمبادرات التي تؤسس للمغرب كوجهة اقتصادية آمنة للاستثمار وتؤكد على ضرورة ترسيخ هذا الخيار ورفع كل العوائق وتوفير المناخ الاجتماعي والتنافسي السليم المعتمد على تبسيط المساطر الإدارية وضمان عدالة ناجعة في مجال الأعمال وتحسين الحكامة وأنظمة التدبير .

وفي هذا السياق فقد أكد جلالته نصره الله وأيده في رسالة سامية بمناسبة أشغال المنتدى البرلماني الدولي الثالث للعدالة الاجتماعية الذي نظمـه مجلس المستشارين يـوم 19 فبراير 2018 على ما يلي : "كما ينبغي أيضا الانكباب وبنفس العزم على إصلاح الإدارة العمومية لأنه لا يمكن تحقيق إقلاع اقتصادي واجتماعي حقيقي دون قيام المرافق العمومية بمهامها في خدمة المواطن وتحفيز الاستثمار".

"وإننا ننتظر أن يفرز هذا المجهود الجماعي تجديدا عميقا في طرق التفكير وفي التعامل مع قضايا التنمية وتدبير الشأن العام وإجراء قطيعة حقيقية مع الممارسات التي تهدر الأمن والفرص التنموية وتعيق مبادرات الإصلاح وتكبل روح الإبداع والتفكير" انتهى النطق الملكي السامي.

إرادة ملكية تتبدى معالمها في الأوراش التنموية الكبرى التي يقودها جلالته في مختلف المجالات والتي تطالبنا اليوم بالانخراط فيها بكل مسؤولية وضمير، وبعقلية متجددة مبدعة لا مجال فيها لإهدار الفرص أو خلق العراقيل والمعيقات.

الحضور الكريم؛

إنه بقدر ما ننوه بالجهد الكبير الذي تم بذله من طرف مختلف الجهات من أجل إصدار هذا النص التشريعي الجديد لتدارك كل الثغرات والعراقيل الناتجة عن النص القانوني السابق ، فإننا لا بد أن نؤكد على أهمية المقاربة التشاركية الحقيقية بين مختلف الفاعلين من مقاولة وإدارة وسلطة قضائية ومؤسسات مالية واقتصادية وضريبية، وعلى ضرورة خلق جسور وآليات للتعاون والحوار بينها حتى يستطيع القضاء القيام بمسؤوليته في إصدار الأحكام والقرارات وأيضا ممارسة وظيفة وسلطة اقتصادية حيوية هامة تستهدف خلق التوازن بين المصالح وإنقاذ المقاولات من التصفية وتوفير شروط استمراريتها مما سيحافظ على فرص الشغل ويضمن الاستقرار والتنمية بمفهومها الواسع.

لقد أكدت الممارسة التشريعية الحاجة الدائمة لقانون معالجة صعوبات المقاولة مرن ومتطور باستمرار، لارتباطه الوثيق بالمتغيرات الاقتصادية وتأثيراتها على المقاولات.

قانون جديد لا يشكل مجرد رغبة في مسايرة الجديد التشريعي أو سعي لضمان تنافسية قانونية على المستوى الترسانة التشريعية في مجال قانون الأعمال بل هو تعبير عن تفاعل مع خصوصيات الواقع الاقتصادي الوطني وطموحاته وأهدافه الدولية.

وبكل موضوعية، لا بد من الإقرار بأن معالجة صعوبات المقاولة يبقى من المجالات القانونية الدقيقة التي تستدعي الكثير من التقنية والتخصص وتستوجب الأخذ بعين الاعتبار الرهانات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

كما أن صعوبة التشريع في هذا المجال تنبع من كثرة الشركاء والمتدخلين والأجهزة بشكل يجعل التوفيق بين مختلف الحقوق والالتزامات أمر صعب جدا خاصة عندما تكون متناقضة في بعض الحالات.

في هذا السياق، لا بد من التذكير بأن موضوع صعوبات المقاولة وتأهيل القضاء التجاري كان من المحاور الأساسية التي خرجنا بها بورقات عمل وخلاصات وتوصيات هامة بمناسبة الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة والتي نحن مطالبون اليوم بتفعيلها وتنزيلها.

الحضور الكريم؛

إن النص التشريعي الجديد الذي ستتدراسون اليوم فصوله وبنوده وإجراءاته سنكون كسلطة قضائية مجندين لمواكبته وحسن تفعيله وتطبيقه بروح اجتهادية خلاقة واعية بكل الظروف والإكراهات.

لكن هذا الاجتهاد الذي نسعى إليه لن يتحقق إلا بوضعنا لرؤية استراتيجية محددة في مجال التكوين الأساسي والمستمر تتيح للقضاة وكل مهنيي العدالة والشركاء تنويع وتطوير خبراتهم وتجاربهم، كما يجب مواكبة هذا النص التشريعي بنصوص وتدابير أخرى ذات طبيعة إدارية ومالية واقتصادية وتقنية حتى نحقق الأهداف المرجوة.

إن أحسن القوانين – كما قال أحد الفلاسفة - تكون عديمة الفائدة لعدم التطبيق ألا إنها قد تكون خطيرة إذا طبقت بطريقة سيئة.

فالرهان اليوم إذن هو يتعبا الجميع ليسهم بكل ايجابية ومواطنة في هذا الورش الكبير من أجل أن تكون بلادنا في طليعة الدول عبر العالم التي تعتبر فضاء آمنا مشجعا للاستثمار بفضل جودة نصوصها ونجاعة قضاءها وحكامتها في تدبير الشأن الإداري والمالي ومرونة اقتصادها.

السيدات والسادة الكرام؛

رهانات كبرى أمامنا اليوم، من أجل إنجاح المشروع الإصلاحي الكبير الذي يقوده جلالة الملك بعزم وحكمة وتبصر، والسلطة القضائية التي تتشرف برئاسة جلالته، لن تدخر أي جهد من أجل المشاركة الايجابية في هذا الورش التنموي الهام والمساهمة من أجل تفعيل كل المبادرات الجادة التي تسعى إلى جعل المغرب وجهة آمنة للاستثمار عبر العالم.

ولي اليقين أن لقاءا من مثل هذا المستوى وبهذه النخبة المتميزة من القضاة والخبراء والمهنيين سيكون فرصة ملائمة لإعطاء مؤشرات ثقة وتأكيد وجود الإرادة الجادة من أجل استثمار يكرس التنمية الحقيقية ويضمن حقوق الأجيال القادمة.

كل الدعاء الصادق لكم بالتوفيق والنجاح ولأشغالكم بالسداد والفلاح.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته