اللقاء القضائي المغربي الإسباني السابع بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ومحكمة النقض بالمملكةالمغربية والمجلس العام للسلطة القضائية والمحكمة العليا بالمملكة الإسبانية

كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال اللقاء القضائي الاسباني المغريي بمراكش

بسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى أهله وصحبه أجمعين؛

 

يسعدني مستهل هذه الكلمة أن أرحب بفخامة رئيس المجلس العام للسلطة القضائية، رئيس المحكمة العلياالسيد كارلوس ليسميس سيرانو وفخامة  نائب المدعيالعام السيد لويس مانويل نابا خاس رامسو، وبجميع أفراد الوفد الرفيع المستوى المرافق لهما بالعاصمة الحمراء مراكش.

 مدينة تقتسم الكثير من ملامح الشبه في أصالتها ومعمارها وعراقة حضارتها وألوان فسيفسائها وطيبوبة أهلها مع عدد من المدن الاسبانية التاريخية، قواسم لعلها هي التي دفعت  الكاتب والمفكر الاسباني خوان غويتصولوJuan GOYTISOLO إلى أن يقود معركة كبرى لإقناع اليونسكو من أجل تصنيف ساحة جامع الفنا تراثا شفويا للإنسانية سنة 2002، وأهدى جائزة سيرفانتيس التي تسلمها من يد العاهل الاسباني فيليبي السادس  لسكان مدينة مراكش الذين احتضنوه بكل مودة وإخاء.

مدينة مراكش بكل حمولاتها ودلالاتها ترحب بكم.

 فمرحبا بكم وشكرا على قبول الدعوة واقتطاعكم جزءا ثمينا من وقتكم لنكتب معا سطرا جديدا في كتاب تاريخ علاقات التعاون  والصداقة بين بلدين حكمت عليهما الجغرافيا أن يكونا بوابتي أوروبا وافريقيا، وأن يشكلا منارتين حضاريتين لعابري المتوسط.

والشكر والتقدير لمعالي وزير العدل الفاضل المحترم الأستاذ محمد بنعبد القادر على مشاركته الوازنة التي تعبر عن قيم التعاون والمسؤولية والوطنية والإرادة الجادة من أجل بناء مستقبل أفضل للعدالة ببلادنا .

والترحيب موصول لسعادة سفير المملكة الاسبانية بالرباط وبالسيدين قاضيي الاتصال بالبلدين الذين يشكلان أحد ثمار التعاون بين البلدين ويستحقان بالنظر لما يبذلانه من جهود الكثير من الدعم والتشجيع والإشادة.

 اليوم، أصحاب السعادة والفخامة وبكل تأكيد وقناعة لا نعقد مجرد لقاء مهني رسمي بل نبني جسرا قضائيا سابعا للقيم الحضارية المشتركة الأصيلة العميقة الزاخرة بتراث خالد متميز، ساهم في وضع أركانه عدد من نساء ورجال القضاء الأفذاذ بالبلدين عبر التاريخ. وهنا لابد أن نتذكر بكل احترام وتقدير معالي الرئيس والصديق العظيم DIVAR   ومعالي الدكتور ادريس الضحاك.

فلهم منا كل عبارات العرفان والامتنان؛

 الحضور الكريم؛

قبل عشرين سنة من الآن تقريبا كانت نقطة بداية هذه الآلية الهامة للتعاون والإخاء بين الهيئتين القضائيتين.

واليوم نستقبل مولودها السابع بكل ما يقتضيه ذلك من احتفاء وما تستوجبه المسؤولية من وقفة للتأمل والتقييم.

وفي هذا السياق وبكل موضوعية وإنصاف، لا بد لنا من الإشادة بالخطوات الجبارة التي قطعنها على درب التعاون والعمل المشترك، نظمنا خلالها العديد من اللقاءات وناقشنا الكثير من المواضيع التي تكتسي أهمية وطنية وإقليمية ودولية ذات ارتباط بمجالات الأسرة والمعاملات المدنية والقضايا الجنائية والإدارية ومنازعات الشغل وقضايا الاستثمار والتجارة والبيئة والإعلام وإشكاليات استقلال السلطة القضائية وغيرها، وأسفرت عن رصيد هام من التوصيات والآليات التي تفتقت عن تجربة وحنكة قضاة أفذاذ من الجانبين الاسباني والمغربي زاوجوا بين الاحترافية والقراءة المقاصدية للنصوص والرؤى الاستشرافية للحلول والمآلات والإحساس الكبير بضرورة تحقيق العدل وأهمية الوصول إلى الأمن القضائي والإجابة على انتظارات المتقاضين.

وهي حصيلة يحق لنا أن نفخر بها وأمانة تستوجب الحفاظ عليها وصونها.

ولكننا بكل يقين نطمح أيضا إلى الارتقاء بهذه الآلية إلى شراكة قوية بين المؤسستين وفق برنامج عمل مكثف ورؤية واضحة بأهداف محددة تعكس ما نعبر عنه من إرادة صادقة لتطوير العدالة ببلدينا وإيجاد حل ملائم للإشكاليات التي تفرضها علينا حركية الإنسان والأفكار ورؤوس الأموال بين الضفتين.

اليوم، نحن أمام تطورات لها وقع كبير وعميق على القانون وعلى المؤسسات القضائية والإدارية.

عالم يتغير بشكل يصعب على أي مؤسسة لوحدها أن تسايره سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وأخلاقيا بفعل الآثار المتسارعة للثورات الإعلامية والتكنولوجية والبيولوجية، مما يجعلنا ملزمين معا جنبا إلى جنب بإعادة النظر في آليات اشتغالنا وتطوير علاقتنا الثنائية وتكثيفها في المرحلة المقبلة.

والأكيد أن حضوركم معنا أصحاب الفخامة اليوم هو تعبير واضح عن رغبتكم الجادة في بناء هذه الشراكة بِنَفَسٍ جديد ورؤية متجددة.

السيدات والسادة الأفاضل؛

لقائنا اليوم سيكون فرصة لفهم سليم للنصوص التشريعية والاجتهاد القضائي في البلدين من خلال تدارس مواضيع واقعية نعيشها معا بشكل يومي سواء في مجال القانون المدني والتجاري أو الجنائي أو الاجتماعي أو في مجال تدبيرنا لإكراهات عمل السلطة القضائية بكل مؤسساتها ومكوناتها .

ومن هذا المنطلق فإنني أتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساهم في الاختيار الموفق لمحاور هذا اللقاء المتميز التي تختزل أهم القضايا المعاصرة التي تشغل بال جميع المهتمين والفاعلين في الشأن القضائي العالمي والأورومتوسطي والإفريقي.

محاور ذات بعد كوني يتجاوز الحدود الجغرافية لأي بلد، وقضايا ذات طبيعة مركبة تثير إشكالات مهنية وقانونية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية يتعين تناولها بشكل شمولي واستيعاب كافة أبعادها المتنوعة والابتعاد عن المقاربات الأحادية والحلول التجزيئية.

محاور إذا حاولنا التأمل في أصولها وتفكيك جزئياتها نجدها تصب في رافد واحد ويجمعها خيط ناظم هو موضوع استعادة ثقة المتقاضين في قضائهم، قضاء مستقل عصري بآليات وميكانزمات حديثة يسهل الولوج إليها تضمن الحريات وتحمي الحقوق من خلال محاكمة عادلة داخل آجال معقولة، وهي كلها معطيات تجعل من لقائنا اليوم حدثا قضائيا مجتمعيا ذا أهمية قصوى.

الحضور الكريم؛

 تؤرقنا اليوم ظواهر إجرامية عالمية ذات انعكاسات قانونية وحقوقية وأخلاقية سلبية مثل جرائم الاتجار بالأشخاص  التي تمس مختلف البلدان سواء كانت دولة المنشأ أو نقطة العبور أو مقصدا للضحايا.

كما أصبح الجميع يعاني من آثار الجرائم المرتكبة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي يزيغ بها البعض عن أهدافها الخيرة الايجابية إلى خلق عواصف إجرامية مدمرة تصيب فئات المجتمع على اختلاف مراتبها ومواقعها وصفاتها.

جرائم ذات أبعاد وانعكاسات متعددة وخطيرة يتعين دراستها وإيجاد مقاربات مشتركة ناجعة للتصدي لها.

هذا فضلا عن الإشكاليات التي تطرحها العدالة البيئية في مختلف المجالات وتستدعي منا إيجاد الضمانات القانونية والقضائية الكافية لحماية المتعاملين بها.

كما يبقى موضوع الكفالة والتبني الدولي من المواضيع الأسرية المحورية المتطورة التي سنكون سعداء بوضع تصور موحد بشأنها بالنظر لحجم الجاليات والمواطنين المقيمين بالبلدين وبالنظر لمتطلبات الخصوصية وشروط الاندماج، وأن تكون مناسبة نبرز فيها أوجه التقارب بين نظامينا ونقترح حلولا تشكل أرضية لتطوير النصوص التشريعية والاجتهاد القضائي.

كما أن الأرقام الرسمية تبرز التطور الهام لحجم المبادلات التجارية بين الشركات المغربية والاسبانية  والمنحى التصاعدي لمعدلات الواردات والصادرات بين البلدين وهو ما يجعل من اللازم مواكبتها قضائيا وقانونيا من خلال البحث في مختلف الضمانات التي تشجع هذه الاستثمارات وتحسن مناخ الأعمال وبما يكفل أيضا حقوق الجميع ومنهم العمال الموسميون الذين يعدون بالآلاف بحثا عن تطوير  قدراتهم المهنية وأوضاعهم الاجتماعية ويسعون إلى ممارسة كل حقوقهم في إطار من الضمانات التي تصون كرامتهم.

الحضور الكريم؛

السلطة القضائية اليوم أصبحت مرتكزا أساسيا لدولة الحق والمؤسسات وإنفاذ القانون وهي تؤدي دورا محوريا من اجل تخليق الحياة العامة وأداء المسؤوليات بكل مواطنة وشفافية وضمير.

وهي مهام بكل تأكيد تتطلب الكثير من العمل الاستراتيجي ومن التعاون مع باقي السلط وطنيا ودوليا، وتقتضي بالضرورة ضمان حماية كبرى للقضاة باعتبارهم قطب الرحى في هذا الورش الإصلاحي الكبير، وهي كلها محاور تثير العديد من الإشكاليات والتحديات نرجو من خلال هذا اللقاء الاستفادة من تجربة مجلسكم وخبرته الطويلة الممتدة لعشرات السنين.

 

السيد رئيس المجلس العام للسلطة القضائية؛

السيد نائب المدعي العام؛

السادة المسؤولون المحترمون؛

ضيوفنا الأعزاء؛

وأنا أتشرف بالسلام على العاهل الاسباني دون فيليبي السادس أكد لي فخامته على كلمة مفتاح " اسبانيا والمغرب دائما متضامنون "

إننا إذن أمام إرث مشترك يحتم علينا عملا مشتركا.

ولي اليقين أن هذا اللقاء السابع  بمدينة مراكش سيكون محطة تاريخية مرجعية نعبر فيها عن رغبتنا في ترسيخ صداقتنا والرفع من تعاوننا إلى مستوى شراكة كاملة نموذجية مبنية على الثقة والاحترام المتبادل تساهم فعليا في دعم علاقات مؤسساتية مثمرة ومتنوعة تعكس حقيقة روابطنا المتينة.

كما ستكون فرصة لنستمتع بمداخلات قيمة ونقاش موضوعي وحوار مستنير يتكلل بإصدار توصيات  عملية وحلول بناءة واقعية لمختلف الإشكاليات والتحديات التي تعيق تقدمنا وتطور عدالتنا.

وفي الختام أجدد ترحيبي بكم مؤكدا لكم أصحاب المعالي إن إقامتكم بيننا نعتبرها لحظة إنسانية مفحمة بالصداقة والإخاء والأمل.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛