كلمة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال ندوة علمية حول موضوع:" الخطأ القضائي في مجال الاعتقال الاحتياطي"

يوم الخميس 12 دجنبر 2019 بمراكش

بسم الله الرحمان الرحيم 

والحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه؛

 

اسمحوا لي أن أعرب لكم في مستهل هذه الكلمة عن سعادتي واعتزازي بمشاركتكم معنا اليوم في أشغال هذه الندوة العلمية المتميزة التي اخترنا لها موضوعا مركبا ذا أهمية بالغة يحمل الكثير من الأبعاد الدستورية والحقوقية والاجتماعية ويثير عددا من الإشكالات القانونية والقضائية والتنظيمية التي اختلفت بشأنها المقاربات والمناهج وطنيا ودوليا ويلزمنا ببذل مزيد من الجهود من أجل إيجاد الحلول الملائمة بكل جرأة وموضوعية وتبصر .

       فكل الشكر والتقدير لكل من ساهم في تنظيم هذه المبادرة الهامة التي تعبر عن الانخراط الجاد للسلطة القضائية في ورش الإصلاح والتخليق والنجاعة والحكامة بكل التزام ومسؤولية لتكون في مستوى الانتظارات والتطلعات .

       والشكر موصول لكل المتدخلين والمشاركين الذين سيفتحون بكل تأكيد من خلال نقاشهم العملي الجاد آفاقا هامة لتطوير تصوراتنا وممارستنا بخصوص هذا الموضوع الحيوي الهام .

  الحضور الكريم ؛

 " الخطأ القضائي في مجال الاعتقال الاحتياطي"عنوان صغير يختزل العديد من الأسئلة ذات البعد الدستوري والحقوقي ويطرح الكثير من الإشكالات ذات البعد المسطري والموضوعي والتنظيمي

       موضوع ذي راهنية سواء على المستوى الوطني أو الدولي لارتباطه بمبدأ المسؤولية والمحاسبة وبثقة المتقاضي في نزاهة وعدل قضاءه فهو يمس في الصميم جوهر رسالة المنظومة القضائية وفي مفاهيم الأمن القانوني والقضائي  ويسائل دور السلطة القضائية في تكريس الحقوق وحماية الحريات.

موضوع يجد أسسه التاريخية في تراكمات معرفية وتجارب إنسانية تقر كلها بمكانة القضاء المركزية في البناء الديموقراطي للمجتمعات كما تقر في نفس الآن ببشرية القائمين على أداء رسالته.

       صفة البشرية التي تجعل من المستحيل أن يكون هامش الخطأ صفر رغم كل الجهود والتضحيات.

       خطأ أصبح اليوم وعبر كل تجارب العالم دون استثناء محط نقاش عمومي ومهني لرصد صوره وأسبابه المتعددة من أجل توفير كل الضمانات للحد من مداخله وتمكين المتضررين منه من اقتضاء التعويضات الملائمة. 

       إن أي متتبع عادي لما يتفاعل بوسائل الإعلام الدولية والوطنية سيقف على وقائع مختلفة تعكس الآثار الفادحة لحالات اعتقال  تمت في حق أشخاص من مستويات وجنسيات مختلفة ثبت فيما بعد برائتهم  مما نسب إليهم. 

       حالات متعددة يصعب حصرها أو التطرق لتفاصيلها في هذه الكلمة،  دفعت المجتمع المدني والحقوقي بعدد من الدول الرائدة عالميا كسويسرا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها إلى إنشاء جمعيات لدعم ضحايا أخطاء المنظومة القضائية.

       إننا اليوم أمام سؤال الثقة وإشكالية الموازنة بين ضرورة محاربة الجريمة وضمان الأمن العام وبين ضرر المس بالمصالح المشروعة للأفراد في حريتهم وأمنهم وكرامتهم واعتبارهم.

       الحرية التي تبقى" تاجا على رؤوس الأبرياء لا يراه إلا السجناء".

 السيدات والسادة الأفاضل؛ 

السلطة القضائية  ببلادنا اليوم تؤسس لممارسات فضلى في ظل مشروع مجتمعي مقدام يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله الضامن لاستقلالها مبنية على قيم الحرية والكرامة والمواطنة.

سلطة قضائية تحكمها ضوابط دستورية من قبيل مبدأ المسؤولية والمحاسبة والحكامة وضمان قواعد المحاكمة العادلة ومبدأ قرينة البراءة، وترتب بالمقابل المسؤولية عند ارتكاب خطأ قضائي يخول التعويض لمن كان ضحية له.

       ضوابط دستورية نصت على مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية وألزمت قضاتنا بالتفاعل الإيجابي معها، كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه المغرب وتم نشره بالجريدة الرسمية التي ينص على أن :" لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض". 

       وهنا لا بد أن نشيد بالدور الهام الذي قام به قضاتنا منذ عشرات السنين من خلال اجتهاداتهم وأحكامهم الجريئة   سواء على مستوى قضاء الموضوع أو قضاء محكمة النقض والتي كرسوا من خلالها هذا المبدأ الإنساني الذي يعتبر من مقومات دولة الحق ومتطلبات ثوابت العدل والإنصاف. 

       لكن الأكيد أن العديد من المؤشرات والمعطيات والتقارير المرتبطة بنسب الاعتقال وعدد المحكومين بالبراءة تلزمنا  بوقفة جادة من أجل التقييم الموضوعي للتجربة المغربية في هذا المجال  وانعكاساتها على هوامش ارتكاب الخطأ القضائي. 

       مؤشرات تطالبنا بطرح عدد من الإشكاليات والتحديات التي لم يتم الحسم فيها في مختلف التجارب  القضائية العالمية من قبيل :

  • ما هو مفهوم الخطأ القضائي؟ ومتى نكون أمام حالات الخطأ الموجب للتعويض؟
  • أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟ وهل كل أعمال السلطة القضائية بجميع مكوناتها تدخل ضمن هذا المفهوم؟
  • ما حدود سلطة الملائمة  والسلطة التقديرية؟
  • هل يجب التمييز بين الأخطاء المرفقية  والأخطاء الشخصية والخطأ البسيط والجسيم؟
  • ما هي الجهة أو الجهات المختصة  للبت في مثل هذه الطلبات؟
  • ثم ما المعايير الواجبة الإتباع لتقدير التعويض الملائم ؟
  • ألا يجب التفكير في مساطر أخرى أكثر  سرعة وأقل تكلفة للحصول على هذا التعويض على غرار تجارب دولية مقارنة؟

 

       أسئلة وإشكالات متعددة ذات بعد قانوني وقضائي تلزمنا أيضا بالتفكير في إعداد تقارير ودراسات سنوية لرصد هذه الظاهرة من كل جوانبها وأسبابها وآثارها وكلفتها الحقوقية والاجتماعية واتخاذ التدابير الملائمة لمواجهتها وفق رؤية شمولية مندمجة يساهم فيها الجميع. 

الحضور الكريم؛

       لقد أقرت كل التجارب القانونية والقضائية أن عددا كبيرا من الأخطاء المنسوبة لمرفق القضاء أو القضاة تعود أسبابها لكافة الفاعلين المتدخلين في منظومة العدالة الجنائية من  مهنيين وخبراء وشهود وضابطة وهو ما يستدعي سد هذه المنافذ من خلال التركيز على ورش التكوين  والتخليق والحرص على تفعيل آليات  الحاكمة  داخل أقصر الآجال للحد من مدد الاعتقال وضبط عملية الإثبات بواسطة الشهود وتشديد المسؤولية في حالة ثبوت تعسف والإسراع بإصدار التعديلات التشريعية المسطرية والموضوعية التي توفر كل الضمانات وتجويد  ظروف عمل القضاة وتوفير كل الإمكانات اللازمة لهم من أجل اتخاذ القرار الملائم بالاعتقال من عدمه. 

        الاعتقال الذي يجب أن يبقى تدبيرا استثنائيا يستعمل في أضيق الحالات باعتباره آلية قانونية ذات تبعات حقوقية واجتماعية ثقيلة يتخذ في حق أشخاص يفترض دستوريا أنهم أبرياء.

       نحن اليوم أمام تحدي تكريس الثقة الموطدة للعدل والتي تعد مسؤولية الجميع. 

السيدات والسادة الأفاضل؛

       أتمنى أن تشكل هذه الندوة محطة أولية أساسية لنقاش هادف نضع من خلالها أرضية برنامج عملي يجيب على الإشكالات المطروحة.

       أجدد لكم شكري وتقديري مع دعائي لأشغالكم بالتوفيق والسداد .

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛