كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة الندوة الوطنية حول موضوع : "الدبلوماسية الموازية ودورها المحوري في خدمة القضايا الوطنية"

الداخلة 14 نونبر 2019

بسم الله الرحمان الرحيم 

سلام تام بوجود مولانا الإمام دام له النصر والتمكين ،

 

 

الحضور الكريم،

   تتدفق المشاعر فياضة في هذا المحفل الوطني الكبير بهذه الأرض الطاهرة المباركة.

مشاعر الفخر بالانتماء لهذا الوطن العزيز، وإحساس بالعزة بالتواجد بين هذه النخب من أهل العلم والمعرفة وفضائل الأخلاق .

   مدينة الداخلة الأبية نلتئم بين أحضانها ونحن نعيش لحظات تاريخية في هذا الشهر الفضيل بين ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة وعيد الاستقلال  المجيد.

   شهر شهد ملاحم وطنية كبرى عبر تاريخ المغرب العريق جاهد فيها رجال ونساء صحرائنا المغربية  بكل صمود ووطنية من أجل وحدة البلاد وازدهارها. 

   فبين رمزية الزمان وخصوصية المكان، نفتتح اليوم أشغال هذا الحدث المتميز لمناقشة موضوع ذي راهنية وأبعاد مختلفة  ويقتضي منا جميعا الإبداع في خلق تصورات واستراتيجيات متكاملة  خدمة للقضايا الوطنية الكبرى. 

       فكل الشكر والتقدير لجميع من ساهم في إعداد هذا الملتقى الوطني الهام وأخص هنا بالشكر والثناء السيد رئيس جمعية هيئة المحامين بالمغرب والسيد نقيب هيئة  المحامين لدى محاكم الاستئناف بأكادير وكلميم  والعيون  وجميع الشركاء والفعاليات الوطنية والجهوية والمحلية على كل ما بذلوه من جهد لإنجاح هذا اللقاء، ليكون في مستوى التطلعات والانتظارات.

        والشكر موصول لكل المشاركين الذين سيساهمون بفيض تجربتهم وحصافة آرائهم في فتح آفاق جديدة للدبلوماسية الموازية ودورها المحوري في خدمة القضايا الوطنية.

الحضور الكريم؛

       لا شك أن قضية الصحراء تتجاوز بالنسبة للمغاربة ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وتتخطى ما هو قانوني ودبلوماسي لتأخذ بعدا أعمق في الوجدان والضمير المشترك حيث ترتبط بالأهل والعرض والكرامة وتلبس رداء المعتقد والمقدس وتشكل في موروثنا الجماعي قضية الوطن الأولى.

       ولأنها كذلك وربما أكثر، فقد أعلنها صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله بكلمات صريحة واضحة وقع صداها في القلوب مباشرة، حيث أكد في خطابه السامي أمام ممثلي الأمة يوم 11 أكتوبر 2013........ " إن قضية الصحراء ليست فقط مسؤولية ملك البلاد وإنما هي أيضا قضية الجميع : مؤسسات الدولة والبرلمان والمجالس المنتخبة وكافة الفعاليات السياسية والنقابية والاقتصادية وهيئات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وجميع المواطنين ". انتهى النطق الملكي السامي.

       إنها رسالة أكدت على معطى أساسي وهو أن النوايا الطيبة لوحدها لا تكفي للتعبير عن الحب وأن الارتباط يقتضي الالتزام والمبادرة، وهو ما قام به القضاة الرواد الأوائل، حيث ترك لنا التاريخ العديد من الحفريات والوثائق والدلائل التي تشهد بدورهم النضالي الكبير في أحلك الظروف، من خلال محافظتهم على استقلالهم وعلى قدسية مهامهم، بل ووهبوا حياتهم حفاظا على وحدة هذا الوطن، وها هي أرض معركة النملان ما تزال تفخر بدمائهم.

       تلك الملحمة الجهادية التي وثقها أحد المشاركين فيها وهو قاضي حمراء مراكش محمد المدني بن مبارك الغرفي بتاريخ 6 رمضان 1906 .

       كما لا يمكننا أن ننسى الحملة الوطنية التي قادها أحد القضاة الأفاضل الفقيه أحمد بن محمد بن عبد الله الزدوتي إثر توصله برسالة وجهها له الشيخ ماء العينين أحمد الهبة بن الشيخ ماء العينين بتاريخ 12 أبريل 1914، طالبا منه توطيد العزم في نفوس الفقهاء والعلماء والشرفاء والمرابطين في قبائل الرحالة وسجتانة وسمكة ومنابهة وجزولة لمحاربة المستعمر .

       وغيرها من الوثائق والشواهد التي تزخر بها الذاكرة القضائية المغربية.

       كما استطاع قضاتنا محاربة " أسبنة " الأحكام بالمناطق الجنوبية، رغم محاولات السلطات الاستعمارية الاسبانية بث التفرقة وعوامل التقهقر، حيث رفض القضاء أن تصدر الأحكام بنفس الاسم الذي تصدر عليه الأحكام الاسبانية، كما رفضوا أن يتعايش القضاءان العصري والشرعي حيث بقي هذا الأخير مترسخا متغلغلا في النفوس يلجأ إليه لفض المنازعات واستلهام الحلول والفتاوى.

       ولعله بعد كل هذا لن يكون غريبا أن نجد وثيقة تحديد البيعة التاريخية التي تقدمت بها قبائل واد الذهب سنة 1979 أمام المغفور له الملك الحسن الثاني، هي بقلم القاضي البلدي أحمد حبيب الله برابوه.

       إذن نحن أمام تراث كبير ومدرسة للعبر مطالبون بالمحافظة عليها أولا والتعريف بها للأجيال القادمة لمن لم يعيشوا أجواء المسيرة وقوافلها المباركة ولم يرددوا مع جيل الرواد قسما خالدا صادقا انبثق عن قلوب آمنت بعدالة القضية وقانونيتها حتى قبل أن تصدر محكمة العدل الدولية حكمها الذي جاء فيه:" كانت بين الصحراء والمملكة المغربية روابط قانونية وروابط ولاء".

الحضور الكريم؛

       إن مسؤوليتنا اليوم كسلطة قضائية أصبحت أكثر إلحاحية أمام دقة المرحلة، لأننا أمام معركة تحمل جوانب قانونية حقيقية يتعين مواجهتها بسلاح الحجة والوثيقة والدليل وهو ما لا يعوزنا أو ينقصنا إذ يكفي التنقيب عنها والتعريف بها وطنيا ودوليا واستخدام كافة آليات التواصل واستثمار كل الفرص المتاحة من لقاءات ومؤتمرات وندوات وزيارات لحشد التأييد ومواجهة الطروحات المتهافتة لخصوم وحدتنا الترابية.

       وهنا لابد أن أنوه بالمجهود العلمي القيم الذي قامت به محكمة النقض في هذا السياق من خلال تنظيمها لندوة وطنية كبرى حول موضوع: " وحدة المملكة من خلال القضاء" شارك فيها عدد هام من أعلام القضاء والفقه والتاريخ والدبلوماسية الذين أكدوا من وجهات نظر مختلفة على وحدة هذا الوطن وعراقته.

       هذا العمل الهام تم توثيقه من خلال مؤلف قيم ترجم إلى اللغة الفرنسية والاسبانية والانجليزية يتم شرح مضامينه  وإهداؤه لمختلف الوفود الأجنبية التي تزور السلطة القضائية كما تم نشره بأكمله على الموقع الالكتروني لمحكمة النقض ليطلع عليه العموم ويمكن أن يشكل أرضية بحث هامة للدارسين والسياسيين وكل الفاعلين مباشرة في قضية وحدتنا الترابية المغربية وهذا ما يجعلني أطالب بضرورة إنشاء مرصد وطني يعمل على إنشاء قاعدة بيانات ومعطيات تهم الوثائق والصور على اختلاف دعاماتها وإنجاز دلائل ودراسات ذات الصلة بقضيتنا والكل في إطار خطة مضبوطة بأهداف محددة ورؤية واضحة .

       إننا أمام تراث قضائي مغربي حرسته الصحراء ذاكرة عن ذاكرة وجيلا بعد جيل وأحاطته بالعناية حفظا وتلقيننا حيث لم يتراجع أمام زحف الطامعين والمستعمرين و المتآمرين.

الحضور الكريم ؛

       المغرب يخوض أيضا معارك وطنية كبرى من أجل التنمية و بناء دولة الكرامة و الحرية و المساواة والحداثة و  الديمقراطية من خلال الأوراش الإصلاحية الكبرى التي يقودها جلالة الملك محمد السادس دام له العز و التمكين.

       أوراش ترتكز في كثير من أسسها على تأسيس سلطة قضائية مستقلة تضمن الحقوق و الحريات و تكرس الخيارات المجتمعية المتجسدة في نص دستور 2011.

       تأسيس جعل المغرب بكل موضوعية وبشهادة المنتظم الدولي في الكثير من المناسبات، نموذجا متفردا في المنطقة و تجربة يحق لنا أن نبرزها للجميع كدليل على استمرار روح المسيرة و قيمها، و أيضا كخبرة و رأسمال لا مادي يمكن أن تكون أداة للتواصل و ربط علاقات تعاون خاصة جنوب جنوب.

       وهو ما سعينا إلى القيام به كمجلس أعلى للسلطة القضائية سواء من خلال اللقاءات الثنائية أو المتعددة الأطراف التي تقوم بها مؤسسة الرئيس المنتدب مع العديد من رؤساء المحاكم و المجالس العليا للقضاء أو مسؤولين عن منظمات دولية مختصة في المجالات القانونية و الحقوقية و الاقتصادية و الأكاديمية فضلا عن العدد الكبير من سفراء الدول من مختلف قارات العالم حيث تكون هذه اللقاءات مناسبة لاستعراض واقع التجربة المغربية في مجال استقلال السلطة القضائية و آفاقها الواعدة و آثارها الإيجابية كضمانة أساسية لتحقيق الأمن في أبعاده الاجتماعية و الاقتصادية و الحقوقية المختلفة.

       كما حرصنا على تنويع شراكاتنا من خلال توقيع عدد من اتفاقيات  التعاون و مذكرات التفاهم مع أكثر من 24 دولة من مدارس قانونية و قضائية مختلفة مما جعل مؤسسة الرئيس المنتدب تنال وسام ليوبولد الثاني من فخامة ملك بلجيكا تقديرا لهذه الجهود المبذولة في مجال التعاون القضائي الدولي.

       وفي نفس هذا السياق الاستراتيجي فتحنا أبواب محاكمنا أمام كل الوفود القضائية الأجنبية التي تطلب الاستفادة من هذه الخبرات التي راكمتها السلطة القضائية المغربية حيث استقبلنا العديد من الشخصيات والوفود سواء الإفريقية أو العربية أو الأوروبية و الأسيوية ووفرنا لها مجموعة من التدريبات والتكوينات والزيارات الميدانية للإطلاع على تجربتنا الواعدة.

تجربة تلقاها المنتظم الدولي بكثير من التقدير حيث مافتئ يساند من نرشحهم من قاضياتنا وقضاتنا لتولي مناصب هامة في منظمات دولية كبرى كاليونسكو ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة الاستثمار العربية.

       هذا البعد الدبلوماسي يمكن رصد بعض ملامحه أيضا في الأنشطة الدولية الكبرى التي حرصنا على تنظيمها  أو المشاركة فيها أذكر بعضا منها :

- تنظيم المؤتمر الثاني لرؤساء المحاكم العليا العربية بمدينة الدار البيضاء وعرفت حضورا غير مسبوق لوفود قضائية رفيعة المستوى مثلت أكثر من 16 دولة عربية إضافة لدولة الباكستان.

 - اللقاء القضائي  المغربي الاسباني السادس الذي احتضنته العاصمة مدريد.

- المشاركة بأشغال المؤتمر الثالث لرؤساء المحاكم العليا بالخرطوم والمؤتمر الرابع بقطر.

- زيارة العمل  التي قمنا بها بكل من الصين وروسيا والجمهورية التركية وماليزيا وسنغافورة والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر وسلطنة عمان والأردن وبلجيكا تمخضت عنها  كلها اتفاقيات تعاون وشراكة .

-       عقد اتفاقية شراكة مع المجلس القضائي الأمريكي والهيئة الوطنية للمحامين الأمريكيين.

-       المشاركة كضيف شرف بافتتاح السنة القضائية بكل من باريس ومدريد .

-       مشاركة وفود السلطة القضائية بالعديد من المداخلات الهامة ببلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية ومالطا والسينغال وإيطاليا ولاس بالماس والشيلي وغيرها. 

       كما أنه خلال الشهرين الأخيرين نظمنا المؤتمر الأول للمرأة القاضية الإفريقية بفاس الذي حضره ممثلوا عدد كبير من الدول الإفريقية و من مختلف قارات العالم فضلا عن رئيسة وعضوات المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للمرأة القاضية وكان فرصة  لإطلاعهن على التراكمات الإيجابية الكبرى التي تعرفها وضعية المرأة  القاضية المغربية.

ثم المؤتمر الدولي للعدالة الثاني بمراكش الذي انعقد تحت الرعاية السامية لجلالة الملك وحضره أكثر من 800 مشارك من كبار المسؤولين عبر العالم اطلعوا من خلاله على التجربة المغربية في مجال الاستثمار والأمن الاقتصادي.

وكذا تنظيمنا للملتقى المغربي الإيطالي الثالث بالرباط بشراكة مع الجامعات المغربية والإيطالية عملنا من خلاله على وضع آليات للتفكير في ملائمة المنظومات القانونية و القضائية داخل الفضاء الأورومتوسطي.

       وأخيرا وليس آخرا استقبالنا لوفد أيسلندي رفيع المستوى يوم 4 نونبر الجاري ضم 54 من نخب المسؤولين الحكوميين و القضائيين و الحقوقيين الذين وقفوا بالملموس على هذه الدينامية الإصلاحية التي يعرفها ورش العدالة وكذا على التحولات المجتمعية والحقوقية  ببلادنا .

وهي كلها محطات تؤكد إيماننا الراسخ بأن السلطة القضائية يجب أن تأخذ المبادرة  وتؤدي أدوارًا أخرى لا تقل أهمية عن العمل القضائي ألا وهو التعريف بالقضية الوطنية  وبالرصيد الحقوقي والقانوني للمغرب وتراثه التاريخي والحضاري ومشروعه المجتمعي  الحداثي  المتميز .

 

الحضور الكريم؛

       إننا أمام مشاعر قوية بسعادة الانتماء لهذه الأرض العظيمة الواحدة الموحدة التي أنبتت في صحراءها كما في بقية ربوع المملكة نخبة من القضاة والفقهاء والعلماء مشكلة بذلك خزانا عظيما من الطاقات الوطنية الخلاقة التي يجب عليها الآن أن تبر بقسم المسيرة الخالد:" أقسم بالله العلي العظيم أن أبقى وفيا لروح المسيرة الخضراء مكافحا عن وحدة وطني من البوغاز إلى الصحراء، أقسم بالله العلي العظيم أن ألقن هذا القسم لأسرتي وعشيرتي في سري وعلانيتي والله سبحانه هو الرقيب على طويتي وصدق نيتي ".

إنه نداء الأمانة الوطنية والضمير المسؤول.

 

الحضور الكريم؛

       الوطنية التزام ومبادرة.

        ولقائنا اليوم بهذا الحضور الوازن المتميز  بكل تأكيد سيشكل محطة هامة للتأسيس لرؤية استراتيجية من أجل تفعيل أمثل للأدوار الهامة التي تؤديها الديبلوماسية الموازية خدمة للقضايا الوطنية.

       أجدد لكم جميعا شكري وامتناني مؤكدا لكم أن أبواب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ستبقى دائما مفتوحة أمام كل  المبادرات والاقتراحات الجادة خدمة لهذه الرسالة والأمانة ولنكون في مستوى الثقة المولوية الغالية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأعز أمره.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛