كلمة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال ندوة دولية للاتحاد الدولي للمحامين

تحت موضوع : " استقلال المحاماة على ضوء استقلال السلطة القضائية والمستجدات التشريعية " -الدارالبيضاء

بسم الله الرحمان الرحيم

والحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه؛

الحضور الكريم؛

اسمحوا لي أن أعبر لكم عن مشاعر اعتزازي لدعوتكم الكريمة من أجل المشاركة معكم اليوم بالجلسة الافتتاحية لهذا الحدث الدولي المهني المتميز الذي يعقد بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، أرض اللقاءات الكبرى عبر التاريخ ونموذج المغرب الجديد، مغرب الانفتاح والأصالة، مغرب التنمية والقيم الحضارية الكبرى.

دعوة تعكس عمق الوشائج وانسجام الرؤية ووحدة الرسالة والهدف بين ركني أسرة العدالة ببلادنا القضاء والمحاماة وحدث يحمل الكثير من الرمزية والدلالات وإشارة قوية على الثقة التي تحضى بها بلادنا داخل أسرة العدالة العالمية.

فكل الشكر والثناء للسيد رئيس جمعية هيئة المحامين بالمغرب والسيد نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء وكل من ساهم في إعداد وتنظيم هذا المؤتمر الدولي الكبير.

مع ترحيب خاص بالسيد رئيس الاتحاد الدولي للمحامين وكل الزميلات والزملاء المحامين الذين يمثلون نخبة وصفوة أسرة الدفاع عبر كل قارات العالم أعضاء هذه المؤسسة العتيدة التي استطاعت خلال حوالي 92سنة منذ نشأتها سنة 1927 تحقيق العديد من المطالب وكسب الكثير من الرهانات.

والشكر والترحيب موصول لكل السادة المتدخلين والخبراء الرفيعي المستوى الذين سيغنون بفيض علمهم ورصيدهم المهني أشغال هذا الملتقى وسيفتحون أمامنا بكل تأكيد آفاقا كبرى للإنصات والتفكير وسيطرحون تصورات واقتراحات عملية جادة تغني تجربتنا وتدعم الأوراش الإصلاحية التي نشتغل على تفعيلها وتطويرها.

الحضور الكريم؛

لقد اختار المغرب التقدم نحو المستقبل بهمة عالية مستلهما من رصيده التاريخي، وأقدامه على أرضية حاضر قوي متوازن يتحمل فيه الجميع مسؤوليته الوطنية من أجل عدالة مستقلة قوية منفتحة وشفافة.

اليوم تعقدون مؤتمركم وبلادنا تحتفي بالذكرى الثامنة للاستفتاء على دستورها الجديد.

يوليوز 2011 كان محطة حاسمة في تاريخ مؤسساتنا من خلال تصويت المغاربة بالموافقة على دستور جاء في إطار مقاربة تشاركية ساهمت فيها كل القوى السياسية والفعاليات الحقوقية والمهنية والمجتمع المدني، وأكد فيها المغاربة مستوى النضج الذي وصلوا إليه بعد سنوات من التراكمات على مستوى الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحقوقية والتي جعلت من المغرب وبكل موضوعية فضاءا دوليا للاستثمار ومعبرا أساسيا للتواصل بين القارات ومدخلا استراتيجيا للعمق الإفريقي ونموذجا للمقاربة التشاركية في وضع مخططات الإصلاح وتنزيله.

دستور يعد من الأجيال الجديدة التي تعرف بدساتير الحقوق، التي أحاطها بضمانات مؤسساتية متعددة مرتقيا من خلالها بالقضاء إلى سلطة مستقلة بآليات مختلفة وتفاصيل دقيقة تؤكد على محورية هذه السلطة في حماية هذه الحقوق والحريات وعلى دورها في التطبيق العادل للقانون وإصدار الأحكام داخل آجال معقولة في ظل حكامة عادلة تعزز المساواة وتقر المناصفة وتؤدي إلى تخليق الحياة العامة عن طريق ربط المسؤولية بالمحاسبة والسهر على إلزام الجميع باحترام أحكامها وتنفيذ قراراتها.

سلطة بمجلس أعلى يعكس بعد مرور سنتين على تأسيسه ، رؤية استراتيجية واضحة من أجل تكريس الثقة وتحقيق الأمن القضائي في كل أبعاده وتجلياته.

تجربة متميزة متفردة عبر المنتظم الدولي عن اهتمامه الكبير بتفاصيلها وتنويهه بالخطوات الثابتة التي قطعتها منذ 6 أبريل 2017، حيث تم تنصيب هذا المجلس بتركيبته المتنوعة واختصاصاته المتعددة وأدواره المجتمعية الكبرى وروحه الإصلاحية العميقة، ومرورا بلحظة رمزية تاريخية يوم 6 أكتوبر 2017 بتسليم رئاسة النيابة العامة لمؤسسة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وإحداثنا لهيئة مشتركة مع وزارة العدل لتنسيق الجهود وتفعيلا لمبدأ تعاون السلط خدمة للعدالة وللمتقاضين عبر العالم .

الحضور الكريم ؛

تقتضي الأمانة والنزاهة الفكرية أن نعترف بأن المحامون المغاربة وعلى امتداد تاريخهم الكبير كانوا في طليعة المساهمين في هذا الورش الإصلاحي الهام ودافعوا عن استقلال السلطة القضائية معبرين في كثير من المحطات والمناسبات عن إيمانهم العميق، بضرورة تحقيق هذا المطلب كخيار أساسي ومنطلق حتمي لتكريس دولة القانون.

واليوم، ونحن نجني جميعا ثمار هذا الإرث المشترك فإننا ملزمون بمواصلة هذه المسيرة جنبا إلى جنب حماية لحقوق الأجيال القادمة، وهو ما حرصنا عليه بجدية خلال هذه المرحلة التأسيسة، حيث إلتزمنا كمجلس أعلى للسلطة القضائية بوضع مقاربة جديدة قوامها فتح قنوات الحوار والتواصل مع كل مهني العدالة وخاصة السادة المحامون وذلك في مجالات مختلفة ذات أبعاد تكوينية وتواصلية وتدبيرية ، الهدف منها الرفع من مستوى المعرفة القانونية والقضائية والحد من العراقيل العملية ودعم فرص النجاعة والجودة بمعايير دولية.

سنتان أعطتنا فرصة لنكرس بالملموس علاقة التكامل والامتداد القانوني والواقعي والتاريخي بين القضاء والمحاماة وذلك من خلال العديد من الاجتماعات واللقاءات والندوات والشراكات والمؤتمرات سواء ذات البعد الوطني أو الدولي التي شكلت فضاء لتقريب وجهات النظر وإيجاد حلول عملية للإشكالات المهنية والقضائية في أجواء أسرية سليمة بما يدعم استقلالهما ونجاعتهما .

كما عملنا على تطوير إدارتنا القضائية، واتخاذ العديد من الإجراءات والتدابير التنظيمية من أجل الوصول إلى محكمة رقمية بأجود الخدمات، وهو ما سيعطي بكل تأكيد لاستقلال القضاء والمحاماة مغزاه وجدواه الحقيقي.

استقلال لم يكن أبدا طلبا لامتياز بل هو حق وواجب لفائدة المتقاضين، يرتكز على ضرورة توفير الضمانات الأساسية للقائمين عليه، ويلزمنا بقواعد المساءلة والمحاسبة والتقيد بالضوابط القانونية والقيم الأخلاقية.

استقلال يكون وسيلة لتحقيق ما نؤمن به جميعا وهو العدل في تجلياته السامية والأمن في أبعاده الواقعية المتعددة.

الحضور الكريم؛

سنة 2005 بالعاصمة العلمية فاس تلقى اتحادكم رسالة ملكية سامية بمناسبة مؤتمركم 49 تضمنت رؤى مستقبلية ما زلنا نعيش على وقع مضامينها إلى غاية اليوم.

رسالة أكدت على الطابع العالمي لمهنة المحاماة وعلى صفتها كشريك أساسي للقضاء في تحمل مسؤولية إحقاق الحقوق ورفع المظالم في ظل عولمة شرسة تطالب المحامين بالقدرة على التكييف مع كل المتغيرات ومواكبة التطورات التشريعية والقضائية وجعل المحاماة الشريفة شريكة للعدالة النزيهة في تحقيق الحكامة الجيدة.

ومجتمعاتنا اليوم - أكثر من أي وقت مضى - تتطلع إلى التطبيق العادل للقانون من أجل حماية وتعزيز الحقوق الفردية والجماعية وحل مشكلات الأفراد والجماعات، والحكومات بدورها تعتمد بصورة متزايدة على القانون في تنظيم المصالح والحقوق، وبتعاظم دور القانون يتزايد دور المحامين عن طريق السعي لتحسين النظم القانونية ولتحسين المهارات المهنية التي تمكن المحامي من تقريب العدالة للناس وعرض قضاياهم على القضاء وتعزيز فهم الجمهور لدور القانون في المجتمع.

مكاتبكم اليوم، السيدات والسادة المحامون، هي مرآة تعكس يوميا حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية.

ونحن على يقين اليوم بان مؤسسات دولية رائدة من مستوى الاتحاد الدولي للمحامين وما يتوفر عليه من مؤهلات قانونية ومهنية عالية وقيم وتقاليد كبرى راسخة قادرة على بناء جسور الثقة والعمل المشترك الجاد البناء من أجل تكريس استقلال حقيقي لجناحي العدالة القضاء والمحاماة وضمان ممارسات فضلى تعطي لهذا الاستقلال روحه وتحقق كل غاياته.

لابد أن نؤمن جميعا بان القضاء المستقل المنصف القوي هو الضمانة الأساسية التي ستحافظ على استقلال مهنة المحاماة وعلى نجاعتها.

القضاء الموكول له السهر على تكريس ثقة المتقاضين برسالة المحاماة من خلال الحرص التام على مبدأ المساواة أمام القانون وعلى ضمانات المحاكمة العادلة وعلى الانضباط الصارم لقواعد المهنة وأخلاقياتها وأعرافها وتقاليدها.

وهو ما نحرص على مستوى السلطة القضائية ببلادنا على تفعليه والعناية بها.

 السيدات والسادة الأفاضل؛

 لي اليقين أنه على امتداد أيام هذا الملتقى الدولي الكبير ستطلعون على تفاصيل أكثر دقة ليس فقط على المستوى القانوني والقضائي والحقوقي وإنما أيضا على مستوى الأبعاد الإنسانية لهذا الوطن.

أكيد أن الدار البيضاء بكل حمولاتها الوطنية والدولية ستؤكد لكم مدى طموح المغاربة إلى مواجهة تحديات المستقبل بقوة القانون ودولة المؤسسات وقيم المواطنة والتسامح والانفتاح.

وأبوابنا كسلطة قضائية ستبقى دائما مفتوحة أمام مبادراتكم واقتراحاتكم من أجل تعاون جاد وفعال يخدم القيم الكبرى التي نؤمن بها جميعا.

 مرحبا بالجميع وكل المتمنيات لأشغالكم بالتوفيق والنجاح.

 والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته