كلمة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال الندوة التحسيسية حول المحكمة الجنائية الدولية

كلمة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال الندوة التحسيسية حول المحكمة الجنائية الدولية

بسم الله الرحمان الرحيم

والحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه؛

وبعد،

الحضور الكريم؛

يطيب لي في مستهل هذه الكلمة أن أعرب لكم عن عظيم سعادتي بدعوتكم الكريمة للمشاركة معكم اليوم في هذه الندوة التحسيسية الهامة حول نظام المحكمة الجنائية الدولية واختصاصاتها، التي تبقى من المواضيع الأساسية ذات الراهنية الكبرى وتكتسي الكثير من الأبعاد القانونية والحقوقية والسياسية سواء على المستوى الوطني أو الدولي .

وهي مناسبة أغتنمها لأنوه بهذه المبادرة القيمة التي حرصت رئاسة النيابة العامة على إقامتها وإنجاحها، من خلال حضور عدد هام من خبراء هذه المؤسسة الدولية الكبرى وفي مقدمتهم السيدة فاتو بنسودة المدعية العامة لهذه المحكمة الجنائية الدولية التي أجدد لها ولباقي السادة الخبراء عظيم تقديري للمجهودات الكبرى التي يقومون بها من أجل تفعيل قضاء دولي جنائي دائم ومستقل رغم كل الصعوبات والإكراهات.

والشكر موصول للسادة المسؤولين القضائيين بمحاكم استئناف المملكة الذين يعبرون اليوم من خلال حضورهم ومشاركتهم الوازنة بهذا اللقاء التحسيسي عن تفاعل إيجابي وإرادة جادة في الاقتسام والانفتاح وتبادل الخبرات والتجارب .

فمرحبا بالجميع وكل المتمنيات لأشغالكم بالتوفيق والنجاح.

الحضور الكريم؛

يوم 17 يوليوز 1998 بروما كان شاهدا على حدث إنساني شكل حلما ناضل من أجل تحقيقه الكثيرون ألا وهو إيجاد مؤسسة دولية محايدة دائمة لوقف ارتكاب أشد الجرائم خطورة .

محكمة تعد اليوم بعد 21 سنة تقريبا من هذا الحدث من بين أهم المكتسبات التي حققتها الحركة الحقوقية العالمية في مجال مكافحة الإفلات من العقاب وإرساء القيام الكونية لمبادئ حقوق الإنسان والعدالة، بعدما عرفت الإنسانية للأسف الشديد العديد من المآسي ومن الانتهاكات الجسيمة للقوانين وللأعراف الدولية اهتز لها ضمير الإنسانية بقوة وسعى إلى مواجهتها من خلال إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة حين عجزت تجربة المحاكم الخاصة وظهر فشل بعد الدول في الاضطلاع بواجباتهم الدولية مما أدى إلى تفشي ظاهرة الإفلات من العقاب وأعرب المجتمع الدولي عن قلقه لبقاء المجرمين ينعمون بالحرية تحت غطاء العديد من المبررات والحجج .

لا شك أن عولمة القانون وقيم العدالة التي تعتبر من سمات هذا العصر، جعلت المجتمع الدولي في حاجة ماسة إلى مثل هذا الجهاز القضائي الدولي الدائم كملاذ أخير يلجأ إليه من أجل تحقيق الأمن والسلم الدوليين وصيانتهما، وصيانة الذاكرة من خلال جمع الأدلة والشهادات والوثائق، حتى لا يكون النسيان جريمة ثانية في حق ضحايا جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وكل انتهاكات القانون الدولي الإنساني.

جهاز دولي دائم مستقل له الولاية القضائية للبت في هذا النوع من الجرائم عندما تبدي الدول عجزا أو عزوفا عن التحقيق فيها أو محاكمة مرتكبيها.

لكن هذه الأهداف والطموحات الكبرى اصطدمت في هذه السنوات بالعديد من العراقيل وأثارت مجموعة من الإشكاليات ذات الأبعاد القانونية والهيكلية والتنظيمية والسياسية والحقوقية، وضعت العدالة الجنائية الدولية في أزمة تدبيرية حقيقية.

أزمة بدت تجلياتها منذ البداية، بتأخر سريان نظام هذه المحكمة الأساسي وذلك لأربع سنوات كاملة إلى غاية سنة 2002 انتظارا لاستكمال نصاب الدول الواجب مصادقتها وهو 60 دولة ، فضلا عن التزايد البطيء جدا والمحدود لعدد الدول المنظمة بعد ذلك لهذه المؤسسة على امتداد هذه السنوات العشرين حيث لم تتجاوز 123 عضوا إضافة إلى تسجيل عدد مهم من الانسحابات والاحتجاجات والانتقادات مما يطرح العديد من التساؤلات حول ضرورة وإلحاحية إجراء تعديلات مختلفة لتطوير نظام هذه المحكمة ويفرض على المسؤولين عنها التزاما كبيرا بمواجهة هذه العقبات حفاظا على استقلاليتها وحيادها ومصداقيتها وفعاليتها ومساواة الجميع أمامها.

الحضور الكريم؛

لقد عبر ت بلادنا بكل وضوح وفي محطات متعددة عن خيارها الاستراتيجي وديناميتها الإصلاحية الكبرى الجادة التي يقودها جلالة الملك نصره الله من أجل ترسيخ الحقوق والحريات ومكافحة الإفلات من العقاب.

دينامية تظهر بارزة من خلال ورش تكريس استقلال السلطة القضائية التي تحتفي بمرور سنتين على تأسيسها في تجربة رائدة متميزة جهويا وقاريا ودوليا.

سنتين من التأسيس لهياكل وقيم وممارسة فضلى في مجال المسؤولية والمحاسبة وتكريس دولة القانون والمؤسسات وضمان الحرية والكرامة والمساواة.

سنتين من أجل توفير البنية القانونية والتنظيمية والحقوقية والبشرية واللوجيستيكية الملائمة لمواجهة كافة التحديات التي تعرفها العدالة سواء وطنيا أو دوليا. تحديات تكريس الثقة، وصون الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة وتحقيق الأمن القضائي الذي ينشده الجميع.

وفي هذا السياق لا بد من التذكير بالمراجعة التي همت عددا من القوانين كي تتلائم مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان سواء في الدستور المغربي باعتباره أسمى قانون في البلاد حينما جرم في الفصل 23 في فقرته الأخيرة الإبادة وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وكافة الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان، أو على مستوى بعض القوانين الخاصة كالقانون المنظم للحريات العامة ومدونة الأسرة ومدونة الشغل وقوانين الصحافة والنشر والحق في المعلومة وقانون تحريم ممارسة التعذيب.

فضلا عن إنشاء وإحداث العديد من المؤسسات المستقلة مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والوسيط والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة وكذا إعداد مشاريع النصوص الأساسية المتعلقة بالقانون الجنائي والمسطرة الجنائية والتي تتضمن العديد من الأحكام والمقتضيات المنهجية والمتلائمة مع مجالات اهتمام واختصاص المحكمة الجنائية الدولية سواء على المستوى الإجرائي المسطري أو على المستوى الموضوعي كجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتعذيب وغيرها.

وهي كلها آليات ومداخل هامة ستساعد بالأساس على تفعيل آليات التعاون والتنسيق بين قضائنا الوطني المؤهل وبين المحكمة الجنائية الدولية التي تعد وفق نظامها قضاءا مكملا لهذا القضاء الوطني.

قضائنا الوطني الذي أرسى العديد من المبادئ في مجال حماية حقوق الإنسان وتكريس مبدأ المسؤولية والمحاسبة ومكافحة الإفلات من العقاب في العديد من اجتهاداته وقراراته سواء على مستوى محكمة النقض أو محاكم الموضوع. مما يؤكد - أنه كان الأمر يحتاج إلى دليل - على انخراط قضاتنا بكل ايجابية وإبداع في تكريس هذه القيم الكونية الإنسانية وعلى انسجامهم مع التوجهات والممارسات الفضلى المتوافق عليها عالميا.

واليوم هو محطة جديدة تعبر فيها السلطة القضائية بكل مكوناتها وهياكلها عن إرادتها الجادة في مواصلة جهودها لصون كل هذه المكتسبات الحقوقية وإغنائها لتكون في مستوى كل الانتظارات الوطنية والدولية.

الحضور الكريم ؛

اليوم ستكون فرصة لنا جميعا للاطلاع عن قرب وبشكل عملي على نظام هذه المؤسسة الذي عقد من أجله أكثر من 61 جلسة تحضيرية على امتداد سنتين لإعداد مشروعه.

نظام يضم عدد من الإجراءات المسطرية والقواعد الموضوعية المرتبطة بعمل هذه المحكمة ونطاق اختصاصاتها والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها من قبيل "مبدأ التكامل".

والأكيد أن وجود مثل هذا القضاء لا ينفي مسؤولية القضاء الوطني بل يعني التعاون بينهما وهو ما يتطلب تعزيز كفاءة القضاء الوطني وتفعيل فكرة السيادة القضائية بأبعادها الدولية والوطنية تعزيزا للفعالية وللثقة.

وهو ما نحن عازمون على تكريسهما وأجرءتهما.

وفي الختام؛

 اسمحوا لي أن أجدد لكم السيدة المدعية العامة، السادة خبراء المحكمة الجنائية كل عبارات الشكر والتقدير مؤكدا لكم أن أبواب السلطة القضائية ببلادنا أبوابها مفتوحة دائما أمام كل المبادرات التي تخدم قضايا العدالة عبر العالم وتكرس القيم المشتركة التي نؤمن بها وندافع عنها جميعا بكل تجرد ونزاهة وإنسانية.

متمنياتي لكم بمقام طيب بيننا يتيح لكم التعرف عن قرب عن مغرب السلم والإخاء والحرية، مغرب العراقة والأصالة والمستقبل.

مع دعائي لأشغال هذه الندوة الكبرى بالتوفيق والنجاح.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

محتوى ويب مكون من محرر هتمل عبر الإنترنت مجانا. يرجى الاشتراك للحصول على عضوية لإزالة الرسائل الترويجية من المستندات التي تم تعديلها.