كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال ندوة علمية حول موضوع: " النجاعة القضائية ودورها في تجويد الخدمات القضائية "

كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال الندوة المنظمة من طرف محكمة الاستئناف بالرباط والمكتب الجهوي للودادية الحسنية للقضاة بشراكة مع المجلس الجهوي للمفوضين القضائيين بالرباط خلال ندوة علمية حول موضوع: " النجاعة القضائية ودورها في تجويد الخدمات القضائية " الأربعاء 19 فبراير 2020- المعهد العالي للقضاء

بسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى أهله وصحبه أجمعين؛

 

       اسمحوا لي أن أعبر لكم في مستهل هذه الكلمة عن اعتزازي بدعوتكم الكريمة للمشاركة في هذا اللقاء العلمي الرصين الذي يتناول موضوعا يحمل الكثير من الدلالات ويعكس مدى التفاعل الإيجابي للأسرة القضائية مع كل الأوراش الإصلاحية ذات البعد التشريعي والتنظيمي والحقوقي والإداري والتي  لها آثار واضحة على  تنويع وتجويد الخدمات القضائية ببلادنا.

       مبادرة تقتضي منا تقديم عبارات الشكر والتقدير على حسن اختيار المحاور العلمية لهذه الندوة التي يؤطرها نخبة من القضاة والأكاديميون والمهنيون والحقوقيون الذين من خلال آرائهم الرصينة وملاحظاتهم الموضوعية سيضيفون بكل تأكيد قيمة علمية ومهنية كبيرة ستساهم في بلورة تصورات وآليات عملية جادة وستفتح آفاقا جديدة للحكامة والنجاعة القضائية ببلادنا.

       فلكم جميعا منظمين ومشاركين وحضور كريم، كل عبارات الشكر والثناء والتقدير والامتنان.

 

الحضور الكريم؛ 

       لقد راكمت بلادنا زخما معرفيا ورصيداً هاما من النصوص والوثائق والدراسات والاجتهادات العملية والمهنية  في موضوع النجاعة  والجودة القضائية ، الذي شكل محورًا استراتيجيًا  بأشغال الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة و انبثق عنه عددا هاما من التوصيات والإجراءات .

       مما يسمح لنا بالقول بكل تأكيد أننا تجاوزنا مرحلة التشخيص، وأصبح مطلوبا منا الآن الحسم  في الخيارات الأساسية ذات الأولوية   ووضع الآليات والبرامج الواقعية، بشكل يتلائم مع الخطوات الكبرى التي خطتها بلادنا نحو إرساء دولة الحق والمؤسسات، وتكريس أسس عدالة مواطنة، عدالة يريدها الجميع، أن تكون قريبة من المتقاضين إنسانيا وحقوقيا وقانونيا ولوجيستيكيا، عدالة ناجعة تكرس الأمن القضائي والقانوني بشكل ملموس حقيقي، من خلال خدمات قضائية سريعة متطورة، وأحكام تضمن الحقوق للأفراد والجماعات في ظل محاكمات عادلة وداخل آجال معقولة.

       إنه  رغم المجهودات الأساسية  المبذولة والإنجازات الإيجابية المحققة فإننا أمام تحديات مركبة وإشكالات  مرتبطة بترشيد تدبير الزمن القضائي  وعقلنة الخريطة القضائية  وبصعوبة وتعقد   المساطر والإجراءات القانونية وأمام معضلتي التبليغ والتنفيذ،  وأجرأة الاستقبال  السلس الفعال للمرتفقين وفي  تيسير ولوجهم إلى القانون  والعدالة وتقوية ودعم  نظام المساعدة القضائية والقانونية والتباين في مستويات تحديث وتأهيل بنيات المرافق المرتبطة بالعدالة وفي تحفيز  انخراط الجميع ببرامج تحديث الخدمات القضائية الإلكترونية .

 

     أيها السيدات والسادة الأفاضل،

       إن النجاعة والجودة المطلوبة بكل أبعادها وجزئياتها تعتبر هي التكريس الحقيقي لمقتضيات الدستور المتعلقة بحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة، وهو ما يجعل أسر العدالة بكافة مكوناتها مطالبة اليوم أن تعبأ كل إمكاناتها لتواجه تحديات هذا الورش بكل جرأة وجدية وضمير مسؤول.

 

الحضور الكريم؛ 

       بلغة الارقام والمعطيات أكدت سنة 2019 حجم المجهود الذي بذلته السلطة القضائية من أجل رفع مؤشرات النجاعة والجودة من خلال الإشتغال على عدد من الأوراش بشكل متوازن متكامل، همت العنصر البشري وتطوير بنيات العمل الهيكلية والحرص على تنفيذ برامج للتكوين والتحديث وفتح منافذ متعددة للتواصل والولوج، وتفعيل آليات للتقييم والتقويم  والمراقبة والتنفيذ.

       أوراش متعددة -لا يمكن في هذا الحيز الزمني تفصيل جزئياتها- برزت نتائجها الإيجابية في الحصيلة المتميزة لعمل محاكم المملكة، وفي مؤشرات الثقة التي تظهر في الإقبال المتزايد على التقاضي أمام المحاكم حيث ارتفع على سبيل المثال، عدد القضايا المسجلة بمحكمة النقض بنسبة وصلت إلى2،21 ٪ كما تزايد عدد القضايا المحكومة بها بنسبة بلغت 17.1٪.

       كما حققت محكمة النقض مستوى هاما وبمعايير دولية في مجال زمن التقاضي حيث أن 77% من القضايا لا يتجاوز أمد البت فيها السنة، وذلك رغم كل الإكراهات والمعيقات متعددة الأسباب والمصادر.

       وذلك دون مساس  بجودة  وأهمية وقيمة القرارات الصادرة عن  مختلف غرفها وأقسامها في مختلف المجالات والتي تبين القراءة المقاصدية والاجتهاد الخلاق لقضاتنا من أجل إيجاد حلول متوازنة عملية لمختلف الإشكالات والنوازل وتفعيل قواعد المحاكمة العادلة.

       والأكيد أن سنة 2020، ستكون محطة جديدة أمامنا  نواصل خلالها  إستراتيجيتنا  في تنفيذ هذه المشاريع الإصلاحية الواعدة من أجل تكريس ثقة المرتفقين، معتمدين في ذلك على خيار  المقاربة التشاركية ونهج الحكامة والانفتاح على كل المبادرات التي من شأنها أن ترفع مؤشرات النجاعة وجودة الخدمات القضائية ببلادنا. 

 

الحضور الكريم؛

       إننا أمام محطة بطموحات كبرى وخيارات متعددة قابلة للتطوير والتجويد من خلال العديد من الآليات ومنها بكل تأكيد لقاءات علمية ومهنية رصينة مثل هذه الندوة الهامة التي من شأنها  إغناء التجربة الوطنية بتصورات واقتراحات موضوعية. 

       وقناعتنا راسخة  بأن الخيارات الإستراتيجية مهما بلغت دقتها، فإن المتغيرات والتطورات المتسارعة تجعل المعول عليه دائما  في أي بناء  مؤسساتي  قانوني أو تنظيم إداري وقضائي،  هو الرأسمال البشري بكل حمولته العلمية والمهنية والأخلاقية.

       وسيبقى المجلس الأعلى للسلطة القضائية دائما وفيا لالتزاماته ولقيمه كمؤسسة دستورية تسهر على توفير كافة الضمانات والمساهمة بكل وطنية في جميع المشاريع الإصلاحية التي تتيح ممارسة مهنية قضائية سليمة تنتج عدالة ناجعة جيدة وسريعة حتى نكون جميعا في مستوى الأمانة الملزمين بأدائها أمام الله والوطن، ونكون عند حسن ظن القاض الأول رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية جلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتأييد.

       وأبوابنا دائما مفتوحة أمام كل المبادرات الجادة ومشاريع العمل الرصينة في جو من الحوار المفتوح البناء.

 

وفي الختام؛

       أجدد لكم شكري واعتزازي متمنيا لأشغال هذا اللقاء التوفيق والسداد.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.