كلمة السيد وزير العدل والحريات نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء خلال اجتماع المجلس الأعلى للقضاء بالسادة القضاة المرشحين لعضوية المجلس الأعلى للسلطة القضائية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه

 

السيد الرئيس الأول

السيد الوكيل العام

السيد رئيس الغرفة الأولى

السادة أعضاء المجلس الأعلى للقضاء

معشر القاضيات والقضاة المرشحين،

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

تضطرم اليوم جِذوةٌ من قبس نور الإصلاح الذي طالما هفت اليه النفوس واشْرَأَبَّت إليه الاعناق، واشتعلت من طيب سَناهُ مشاعل تمتد على مرمى الأحداق، انبريتم مرشِّحين أنفسكم لحملها بعزم، ونفرتم خفافا وثقالا لكيلا تُخلفوا الموعد مع التاريخ الذي تُكتب اليوم منه فقرات نيرات، بيراع الحكمة والاستبصار، ومداد الزهو والفخار.

وما وقوفي اليوم بين ظهرانيكم بترف في القول، ولا استزادةٍ في الفعل ولا حُبَّا في تَصَدُّر كلامٍ ولا في ريادة مقام، ولكنَّ الاستحقاقَ عظيمٌ، والمشهدَ جسيمٌ، وقد تجشمتم بترشحكم تَحمُّل مسؤولية تنوء بها الجبال الراسيات، وتقصر عن شأوها السوابق العاديات.

 فمن وفقه الله منكم ستكتب له العضوية في أول تنصيب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية وفق ما جاءت به مقتضيات دستور 2011، والذي لا يخفى عليكم ما أنيط به من مهام جديدة وما أوكلت إليه من اختصاصات غير معهودة تؤسس لسلطة قضائية مستقلة استقلالا يؤهلها لتبوئ المكانة اللائقة بها في مغرب اليوم، مغرب رفع التحديات وكسب الرهانات.

ولئن حظي القضاة على الدوام في هذا البلد الأمين باحترام العامة والخاصة، وحازوا فضل التصدر، جيلا بعد جيل، في حل الــمُلِمَّات المُدْلَهِمَّات وفك النوازل المعضلات،  بما أوتوه من فهم وعلم، وسمت وحلم، فهمُ اليوم أولى بذلك وأجدر ، وأمكنَ وأقدر، بعد أن بوأهم الدستور مكانة علية، ومرتبة سَنِية تعطي من البراهين أسطعها، و من الحجج أبلغها على الرغبة في الارتقاء بمنظومة العدالة إلى مستوى الإصلاح الشامل والعميق، الذي يعتبر القضاة فرس الرهان فيه إذْ لا حَظَّ في الفوز لمن لم يجعل رهانه عليهم واستقى قوته منهم، وهو أمر بقدر ما يمنحهم وضعا اعتباريا مميزا،  فإنه يلقي عليهم بمسؤوليات جسام، وتزداد جسامة في حقكم أنتم كمرشحين لتمثيلهم في المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

ولأن القضاة ليسوا كغيرهم من عامة الناس، فإن المأمول في ترشحهم وانتخابهم أن يكون فوق الشبهات، وأرفع من مستوى القيل والقال، وأبعد عن الاشاعة المغرضة والشحناء المفترضة، ويقدموا نموذجا لنظافة الأيادي وصفاء السرائر، والامتثال للقانون الذي اعتادوا تطبيقه، حقا وصدقا، على من جاءت به إليهم خصومة أو أحوجته إليهم منازعة أو دعوى.

فإن كان يُقبَل من العامة الحَسَنُ فلا يُقبل منكم إلا الأحسن، وإن كان يُجزئ عن العامة المثال، فلا يجزئ عنكم إلا الأَمْثَل، وإن كان يفي عنهم ما فيه فضل، فلا يفي عنكم إلا ما كان أفضل.

ولقد راقني وشاقني ما راج خلال اجتماعي بممثلي الجمعيات الممثلة للسادة القضاة، وأثلج صدري ما لمسته من تفهم لدقة المرحلة، وما ألفيته من حرص على أن تمر الانتخابات في ظروف ملؤها النزاهة والشفافية، والجدية والمصداقية، وهو ما ستكرسونه حسب المأمول فيكم كنموذج ملموس وواقع محسوس، صالح لأن يقتدى به في شتى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لأن القضاء هو ملجأ الناس عند الاختلاف، وعند تبادل الاتهام في نزاهة الانتخابات والقضاة منزهون عن أن يُستدرجوا إلى هذا الدَرَكِ من الادعاءات لما هو معهود فيهم من التزام بالحق ومراعاة لمقتضياته.

فالقاضي كالماء الذي تزال به الغُصص، ومن الصعب جدا أن يكون الماء نفسه سبب تلك الغصة.

معشر القاضيات الفضليات والقضاة الافاضل،

 إن الأنظار ترقبكم، والعيون ترمقكم، وحقيق على من كان هذا شأنه ألا يهمس همساً أو يلفظ لفظا، أو يُقَدِّم رِجْلا أو يُؤَخِّر أخرى إلا بعد أن يفكر في النتائج، ويستنبطَ من مقدماتها ما يلزم، ويستحضرَ ثقل الأمانة التي يحملها غَارِبُه ويستثقلها كَلْـكَــلُه.

ولذلك يوقن إخوتكم وزملاؤكم في المجلس الأعلى للقضاء، الذين سيسلمون ، بعد حين المشعل للبعض منكم، أنكم بحمد الله، ستنأون بأنفسكم كمرشحين عن كل التأثيرات، وتترفَّعون عن أي تهويش أو تشويش مهما يكن مصدره، وأن تعاملكم مع الاعلام، سينبني على أساس من المسؤولية والمصداقية، والحس الوطني الراقي حفاظا على هيبة القضاء ومراعاة لحرمته.

كما أنهم موقنون أن كل ما يمكن أن يعترض عملية الترشح والانتخاب من عوارض لن يُسمح له بالتأثير سلبا على هذا العرس القضائي الكبير، وأن حَلَّها سيتم بالسلاسة المطلوبة والمسؤولية اللازمة التي نلتزم بها أخلاقيا ومهنيا.

معشر القاضيات والقضاة المترشحين،

أخاطب فيكم اليوم القاضي الورع، القاضي النزيه، القاضي الأمين على حقوق الناس، الذي سيجلس عما قريب على كرسي له ثقل خاص  وستُعطاه فرصة  للإسهام في تدبير أمور مجلس  ليس ككل المجالس وسلطة ليست كباقي السلط.

ومهما واتتني الفصاحةُ و ذَلِقَ لساني ببديع الكلام و عذب البيان، فلن أجد خيرا من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري حينما سأله أن يستعمله، فضرب على منكبه وقال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.

أعانكم الله على تحمل الأمانة وعلى أخذها بحقها وأداء الذي عليكم فيها، وسدد خطاكم على درب الإصلاح تمشون في مناكبه وتحلون به منزلا مباركا.

(إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُوتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )  صدق الله العظيم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.