كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال تقديم دليل استرشادي لقضاة النيابة العامة في مجال مناهضة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة

- الثلاثاء 10 دجنبر 2019 - قاعة الندوات بمقر رئاسة النيابة العامة

بسم الله الرحمان الرحيم 

سلام تام بوجود مولانا الإمام دام له النصر والتمكين ،

 

       اسمحوا لي في مستهل هذه الكلمة أن أعبر لكم عن اعتزازي بدعوتكم الكريمة للمشاركة في هذا اللقاء المتميز من أجل تقديم دليل استرشادي لقضاة النيابة العامة في مجال مناهضة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. 

       وهي مبادرة هامةذات أبعاد متعددةتعكس الانخراط الجاد للسلطة القضائيةببلادنا في  الورش الإصلاحي الكبير الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتأييد من أجل مجتمع الكرامة والحرية والمواطنة والمسؤولية.  

       فالشكر  والثناء لكل من ساهم تفكيراً أو إعداداً أو إنجازا ليخرج هذا العمل إلى الوجود ويساهم في إنتاج معرفة قانونية وقضائية رصينة تكرس ثقافة حماية حقوق الإنسان كممارسة ومنهج عمل لدى المكلفين بإنفاذ القانون. 

       والشكر موصول لكل المشاركين الحاضرين معنا اليوم، وأخص هنا بالثناء والتقدير السيد الوزير المكلف بحقوق الإنسان الفاضل المحترم مصطفى الرميد والسيدة رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان الفاضلة المحترمة أمينة بوعياشعلى حضورهما الذي يحمل الكثير من الرمزية والعديد من الدلالات.

السيدات والسادة الأفاضل؛

        يتزامن هذا اللقاء مع تخليد المجتمع الدولي للذكرى 71 لإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. 

        إعلان يشكل علامة بارزة في تاريخ البشرية باعتباره ميثاقا تأسيسياً وثمرة لفكر متشبع بالمثل الإنسانية ومرجعا عالميا تهتدى به الشعوب التواقة إلى المزيد من الحقوق والحريات في إطار دولة القانون.

        وهو مناسبة نؤكد من خلالها على التفاعل الإيجابي والديناميكية الكبيرة لبلادنا مع هذه المنظومة الدولية لحقوق الإنسان سواء على مستوى التكريس الدستوري الذي يعتبر محددا أساسا  لاختياراتها المجتمعية حيث يعد دستور 2011 ميثاقا حقيقيا للحريات والحقوق الأساسية يتلاءم مع المرجعية الكونية، أو على مستوى  تصديق المغرب على المعاهدات الدولية الرئيسية المتعلقة بحقوق الإنسان وكذا تقديمه لتقاريره بانتظام إلى لجان الرصد المحدثة بموجب هذه المعاهدات ومنها على الخصوص تلك المتعلقة بمناهضة التعذيب وبتفاعله بشكل دائم وبناء مع التوصيات الصادرة عنها، فضلا عن زيارات العديد من المقررين التابعين للآليات والإجراءات الخاصة الأممية ذات الصلة بحقوق الإنسان وبمناهضة التعذيب الذين أعربوا كلهم عن ارتياحهم لما تحقق في بلادنا من تقدم في هذا المجال. 

        كما يعتبر المغرب من بين الدول الخمس التي أطلقت مبادرة دولية  لتشجيع وتنفيذ أحكام اتفاقية مناهضة التعذيب، هذا فضلا عن الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية التي تروم تعزيز المنظومة الحمائية لحقوق الإنسان خاصة في بعدها الجنائي الموضوعي والمسطري والتي تعكس إرادة حقيقية من أجل مناهضة جريمة التعذيب.

        هذه الديناميكية تبرز أيضا جلية من خلال عمل السلطة القضائية على تكريس مبدأ الاستقلال كضمانة أساسية ومدخل ضروري لحماية الحقوق والحريات والدفاع عنها بكل التزام ومسؤولية.

        وهو ما أكد عليه جلالة الملك محمد السادس دام له العز والتمكين في رسالته السامية التي وجهها بمناسبة الذكرى 70 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان  حيث جاء فيها :(وفي هذا الإطار، أدعو جميع المؤسسات والهيآت المعنية، لمواصلة الجهود من أجل القيام بدورها في الدفاع عن حقوق الإنسان في كل أبعادها، وزيادة إشعاعها، ثقافة وممارسة، وذلك في نطاق الالتزام بروح المسؤولية والمواطنة، التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق والحريات، بأداء الواجبات)... انتهى النطق الملكي السامي.

        إننا إذن أمام مشروع مجتمعي والتزام دستوري وواجب أخلاقي  ومسؤولية وطنية لا مجال للتفريط فيها أو التهاون بشأنها.

الحضور الكريم ؛

        لا يختلف أحد على أن التعذيب يعتبر أحد أسوء الممارسات التي من شأنها الانتقاص من الذات البشرية والمساس بحرمتها حيث تنطوي على اعتداء مباشر ووحشي على سلامة الإنسان الجسدية والنفسية وتناقض حقه في الأمان على شخصه وفي العيش بكرامة .

       وهو يترك آثارا نفسية جسيمة تتجاوز البعد الجسدي لكونها تصاحب المعتدى عليه لفترات طويلة وتترك لديه بصمات مزمنة يصعب محوها من أهمها عدم قدرته على مواجهة الحياة وصعوبة التواصل الاجتماعي والشعور بالعار والخضوع وفقدان الإحساس بأهمية الذات وفقدان الكبرياء وعزة النفس، وذلك دون إغفال الآثار الفيزيولوجية والجسدية للتعذيب الذي يعد من أبرز صورها الأرق والقلق وانعدام القدرة على التركيز وصعوبات في الذاكرة والكآبة.

        وضع أفرز إجماعا دوليا على حظره وتجريمه في سائر الاتفاقيات الدولية وكذا على مستوى التشريع المغربي وتفاعل معه قضاتنا بشكل إيجابي في العديد من المحطات والنوازل .

       تفاعل تظهر تجلياته في الاجتهاد القضائي الهام الذي راكمته محاكمنا في العديد  من النوازل والقضايا ذات الارتباط بحماية حقوق الإنسان وضمان شروط المحاكمة العادلة وتكريس المبادئ الدستورية الأساسية كقرينة البراءة والحق في الدفاع أو التعويض عن المسؤولية  في مواجهة  المكلفين بإنفاذ القانون، فضلا عن أعمال الرقابة التي يقوم بها قضاتنا من خلال الزيارات الأسبوعية لمخافر الشرطة للتحقق من شرعية الاعتقال وظروفه إضافة إلى الزيارات الدورية للسجون من أجل تتبع وضعية الأشخاص المودعيين تحت هذا التدبير، وكذا الرقابة التي يقومون بها عند بتهم في طلبات التسليم حيث يتحرون أن لا تكون هناك أي شبهة آو ملابسات توحي بإمكانية تعرض المطلوب في التسليم للتعذيب أو المساس بسلامته الجسدية.

       وهي أدوار هامة يضطلع بها القضاء وفقه القضاء من أجل تفعيل الأحكام الحمائية ووضعها موضوع التنفيذ الفعلي ليكون القضاء حاميا للحريات والحقوق بالفعل ولكي تصح مقولة:( إن نقص القانون إن كان، يكمله عدل القاضي).

الحضور الكريم؛

       لا شك أن هذا الدليل الاسترشادي سيساعد جميع قضاتنا رئاسة ونيابة عامة على الاطلاع على أهم المواثيق والمعاهدات الدولية ذات العلاقة والتي تطرقت إلى المعايير الدولية بخصوص إجراءات البحث والتحقيق والمحاكمة بمناسبة النظر في قضايا التعذيب أو عند تلقي ادعاءات بالتعرض إلى التعذيب بغاية تتبع وملاحقة من ارتكبه وإنصاف من تعرض له .

       كما سيفتح لنا كسلطة قضائية آفاقا وآليات أخرى للتحسيس والوقاية والتعاون مع كل الفاعلين من أجل مواجهة كل الحالات التي قد تمس بهذه المنظومة الحمائية ذات الأبعاد الدستورية والمؤسساتية والتشريعية والحقوقية المهمة.

        يقول الله عز وجل : " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".

 

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛