كلمة السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال الندوة الدولية المنظمة من طرف مجلس المنافسة

حول موضوع: " سياسات وقانون المنافسة تجارب وطنية وشراكة دولية" 13 و14 نونبر 2019 بفندق حسان بالرباط

بسم الله الرحمان الرحيم 

والحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه؛

 

اسمحوا لي في مستهل هذا العرض أن أعبر لكم عن اعتزازي بدعوتكم  الكريمة للمشاركة في هذه الندوة الدولية الهامة التي تنعقد برعاية سامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتأييد.

  رعاية ملكية تعبر عن إرادة جلالته السامية في بناء دولة الحق الاقتصادي وتكريس روح دستور 2011 من خلال تفعيل دور مؤسسات الحكامة  كمقاربات ناجعة فعالة منفتحة قادرة على مواجهة كل التحديات والتغيرات الوطنية والدولية.

فكل الشكر والتقدير للسيد رئيس مجلس المنافسة على هذه المبادرة الهامة التي تعبر عن دينامية جديدة في مقاربة مواضيع ذات راهنية كبرى وتحمل الكثير من الآمال والطموحات، وتثير العديد من الإشكالات والصعوبات.

 والشكر موصول لكل النخب الوطنية والدولية التي اختارت هذا الفضاء الفكري المتميز لتبادل الرؤى واقتسام التجارب والممارسات الفضلى في مجالات قانون وسياسات المنافسة عبر العالم، لتكون أداة فعالة في تحقيق الديموقراطية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

 

أصحاب المعالي والسعادة؛

لا يخفى على كريم علمكم أن العالم كله يعرف نقاشات كبرى حول واقع المنافسة الاقتصادية بين البلدان والمؤسسات وحول طبيعة العلاقات بين الفاعلين في السوق الاقتصادية وأثر كل ذلك على السياسات العمومية وعلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأفراد في معيشهم اليومي.

واقع دولي ووطني تتفاوت آثاره وتختلف حسب التجارب والمسارات الإصلاحية لكل بلد ومدى تفاعل سلطاته ومؤسساته ومنظومته القانونية والقضائية مع كل هذه المتغيرات والتحديات. 

ومن هذا المنطلق يحق لنا وبكل موضوعية أن نعتز بالتجربة المغربية  كنموذج متفرد في مجال الاصلاح العميق والشامل لمنظومته المؤسساتية والقانونية والاقتصادية وفق رؤية ملكية سامية ترتكز على مبادىء الحرية والمسؤولية والكرامة والإنصاف.

مقاربة إصلاحية تؤكد على المبادرة الخلاقة المواطنة المنتجة للتنمية الحقيقية ببعد حقوقي كبير . 

وهي دينامية إصلاحية بدأت منذ عشرات السنين عرفت فيها بلادنا العديد من التراكمات الايجابية في مجال التشريع الاقتصادي والاجتهاد القضائي بدءا بإصدار العديد من القوانين المنسجمة مع واقع التجارة الدولية، وإنشاء المحاكم التجارية المتخصصة وإحداث مجلس المنافسة وتقوية أدواره، إلى جانب تفعيل مؤسسات دستورية أخرى لها علاقة بمجالات حقوق الانسان ومكافحة الفساد من أجل تنظيم منافسة حرة ومشروعة مرتكزة على قواعد الشفافية والانصاف في العلاقات الاقتصادية من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الاسواق ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز  الاقتصادي والاحتكار وما يترتب عن ذلك من آثار وخيمة على تكوين الأسعار وعلى الأمن الاجتماعي والاقتصادي للبلد.

دينامية إصلاحية واكبتها السلطة القضائية بكثير من العناية والحرص من منطلق التزاماتها الدستورية والقانونية وواجباتها الأخلاقية التي تفرض عليها حماية الحقوق والحريات وضمان الأمن القانوني للأفراد والجماعات من خلال  التطبيق العادل للقانون داخل آجال معقولة.

وهنا لابد من التنويه بالعمل الكبير الدي يقوم به قضاتنا  من أجل موائمة النصوص القانونية مع واقع منافسة اقتصادية عالمية تتسم بالتعقيد والحركية والتطور السريع في مختلف أبعاده وآلياته.

 

الحضور الكريم؛

ضمان المنافسة الشريفة الشفافة المنصفة يقتضي اليوم من السلطة القضائية تطوير مقاربة شمولية تواجه كل المداخل التي قد تؤثر سلبيا على الممارسات التجارية السليمة.مقاربة قضائية لا تكتفي بالنظر للموضوع من زاوية تجارية صرفة بل يجب أن تراعي باقي الأبعاد المرتبطة بالمنازعات الشغلية والإدارية والجنحية التي تؤثر بدورها على قواعد المنافسة في المجال الاقتصادي.

وهنا اكتفي بالإشارة إلى بعض الاجتهادات القضائية التي أكدنا عليها خلال المؤتمر الدولي للعدالة الثاني بمراكش شهر أكتوبر الماضي والتي تبرز دور السلطة القضائية في ضبط التوازنات وخلق بنية اقتصادية آمنة وتكريس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لجميع مكونات الإنتاج من سلط وشركات ومساهمين وشركاء ومستهلكين وأجراء.

وفي هذا السياق أشير إلى أن محكمة النقض باعتبارها على رأس الهرم القضائي أصدرت العديد من القرارات التي تكرس ضوابط المنافسة الشريفة وتعمل على تخليق الممارسة التجارية من خلال المواجهة الصارمة لمسيري الشركات الذين يزجون بالمقاولات في وضعيات صعبة أو يمارسون حالات تلاعب في المعاملات التي تنصب على الأسهم في البورصة أو في قضايا غسل الأموال أو في الجرائم الإلكترونية. 

كما عملت على تكريس مقاربة حمائية متطورة في القضايا المتعلقة ببراءة الاختراع وحقوق المؤلف وإيجاد التوازن بين حقوق جميع الشركاء.

كما كان قضاتنا حريصون على حماية حقوق مستهلكي المنتوجات والخدمات خاصة في مجال المعاملات العقارية والبنكية والتأمينية والضريبية، حيث سهروا على تكريس عدالة اقتصادية ومواجهة الشروط والمساطر التعسفية.

كما أن ضبط قواعد المنافسة وضمان حركية السوق ألزم قضاتنا بضرورة حماية حقوق الأجراء سواء الوطنيين والأجانب من خلال العديد من القرارات التي راعت التوازن الموضوعي بين حقوقهم وبين متطلبات وإكراهات الاستثمار بما يحقق  الاستقرار داخل المؤسسات الشغلية.

فضلا عن القرارات المبدئية الهامة في مجال جرائم الأموال ومكافحة الفساد وفي المنازعات التي تتم بين الإدارة والمقاولات  في مجالات الصفقات العمومية والضريبية وغيرها.

وهي كلها مداخل يعمل القضاء المغربي على مقاربتها برؤية مقاصدية حكيمة مستندة على روح الدستور والمواثيق الدولية والنصوص الوطنية.

 

السيدات  والسادة الأفاضل؛

 لا شك أن المجال الزمني لا يسمح بتفصيل الجهود الكبرى التي تقوم بها السلطة القضائية من أجل وضع لبنات قوية في مسار دولة الحق والمؤسسات ، لكن الأكيد أن المرحلة التأسيسية التي تعرفها هذه السلطة أبانت خلالها عن وجود إرادة حقيقية واضحة من أجل تطوير آليات الحكامة الجيدة والنجاعة التي تجعل من المنافسة الشريفة رافعة للديموقراطية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

وهنا لا بد من التنويه بروح الحوار والتعاون بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ومجلس المنافسة في عدد من المواضيع والآليات المشتركة والتي تعبر عن هاته الدينامية الإصلاحية المنوطة بالمؤسستين والتي تلزمهما قانونا بتوحيد جهودهما وتكاملها من أجل مواجهة الإختلالات التي قد تعتري تدبير قواعد المنافسة أو تحد من ضمان الشفافية والانصاف في العلاقات الاقتصادية أو تخلف أوضاعا تشجع على ممارسات غير قانونية، مما يؤثر سلبا على صورة الاقتصاد الوطني ويجعله بعيدا عن المعايير الدولية وعن انتظارات وتطلعات الجميع.

ولي اليقين أن المرحلة المقبلة ستخولنا فرصا للعمل المشترك وفق رؤية استراتيجية متكاملة تتناول موضوع المنافسة من كل جوانبه وأبعاده.

 

الحضور الكريم؛

 أجدد لكم شكري وامتناني واعتزازي بالمشاركة  إلى جانب قامات وخبرات قانونية وقضائية واقتصادية ذات مكانة علمية مرموقة، متمنيا لأشغال هذا اللقاء الدولي الكبير النجاح والتوفيق.

 

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.