كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال المؤتمر الدولي المنعقد بالصخيرات يومي 24 و 25 أكتوبر

حول موضوع“:الهجرة في ظل التحولات الكونية وتأثيرها على المرجعيات القانونية“

بسم الله الرحمان الرحيم

والحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه؛

 

اسمحوا لي في مستهل هذه الكلمة أن أعبّر لكم عن تقديري واعتزازي بدعوتكم الكريمة للمشاركة في افتتاح هذا اللقاء الدولي الهام الذي يناقش موضوعاً ذا راهنيه كبرى ويحمل أبعاداً دستورية وسياسية واجتماعية هامة، ويثير العديد من الإشكالات القانونية والقضائية والحقوقية والأمنية وطنياً ودولياً.

فكل الشكر والامتنان للسيد نقيب هيئة المحامين بالرباط على هذه المبادرة المتميزة التي تعبر عن تفاعل إيجابي حقيقي مع الأوراش الكبرى التي يقودها جلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتأييد.

مبادرة تعكس عراقة نقابة من قيمة نقابة هيئة الرباط التي احتفلنا معها بالذكرى المئوية لتأسيسها بمقر محكمة النقض سنة 2017.

والشكر موصول لكل النخب الفكرية المشاركة في هذا المؤتمر الدولي الكبير الذين بعظم تجربتهم وغنى تصوراتهم سيفتحون لنا آفاقاً رحبة للتفكير والتشاور والعمل الاستراتيجي المشترك.

 

الحضور الكريم،

لا شك أن الهجرة التلقائية تبقى حدثاً كونياً عادياً ايجابياً عرفته الإنسانية عبر التاريخ وساهمت في بناء المجتمعات وتطوير الأمم، حيث تم تسجيل 258 مليون فرد يعيشون خارج أوطانهم عبر العالم يساهمون بنحو 9% من الناتج الدخل الخام العالمي. لكن السنوات الأخيرة شهدت تطوراً كبيراً لهذه الظاهرة وأضحت تأخذ أبعاداً أخرى وصوراً متعددة من ناحية طبيعتها ومداها بحكم الهشاشة والصراعات الدولية والتغييرات المناخية والأزمات الاقتصادية، وتزايدت آثارها السلبية المقلقة مما دعا مختلف البلدان إلى اعتماد سياسات وطنية وإقليمية وعالمية لمواجهتها، وهو ما جعل المنتظم الدولي يدرج موضوع الهجرة ضمن أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر في أفق 2030 حيث دعا إلى تيسير الهجرة وتنقل الأشخاص على نحو منظّم وآمن ومنتظم ومتسّم بالمسؤولية.

 

وفي هذا السياق انخرط المغرب في نهج سياسة استباقية تعكس رؤية ملكية إنسانية جعلت منه نموذجاً متميزاً بمقاربة قضايا الهجرة.

تجربة مغربية تحظى باهتمام خاص بالنظر إلى ما سجلت من تطورات فيما يتعلق بالإصلاحات القانونية والمشاريع التنموية الاقتصادية فضلاً عن الموقع الجيوستراتيجي الذي جعل من بلدنا في الآن ذاته مصدراً للهجرة وبلد للعبور ووجهة للاستقبال والاستقرار النهائي.

تميّز ظهر من خلال اختيار الاتحاد الإفريقي لجلالة الملك محمد السادس رائداً لقارتنا الإفريقية في موضوع الهجرة خلال قمة الاتحاد الـــ 28 التي انعقدت بأثيوبيا سنة 2017. 

لقد عرفت مقاربة قضايا الهجرة في المغرب منعطفاً هاماً منذ سنة 2013 بناء على التوجيهات الملكية السامية من أجل بلورة سياسية للهجرة تكون إنسانية في فلسفتها وشاملة في مضامينها ومسؤولة في منهجيتها ومواكبة للتطورات التي تعرفها هذه الظاهرة، وهو ما تجلى في التعديلات التي عرفتها منظومتنا القانونية المرتبطة بالمهاجرين والأجانب في مختلف الميادين، وفي الاتفاقيات الدولية التي تمت المصادقة عليها وفي اللقاءات الدولية الكبرى التي نظمتها بلادنا على غرار المؤتمر العالمي للهجرة الذي استضافه المغرب سنة 2018 والذي انبثق عنه أول ميثاق عالمي للهجرة، الأمر الذي يعبّر عن إرادة حقيقية من أجل جعل الهجرة أكثر أمنا وكرامة للجميع.

 

السيدات والسادة الأفاضل، 

لا شك أننا نتقاسم جميعا قيم سيادة القانون وحقوق الإنسان وعدم التمييز وغيرها من المبادئ الكونية الثابتة.

قيم وحقوق وحريات تدخل ضمن الالتزامات الأساسية التي يقع على عاتق السلطة القضائية الحفاظ عليها وضمانها دستوريا وقانونيا وأخلاقيا. ولعل أي متتبع موضوعي للأحكام والقرارات والإجراءات القضائية الصادرة عن قضاة المملكة ستتضح له معالم معالجة قضائية حمائية متوازنة مشبعة بروح حقوقية لقضايا الهجرة والمهاجرين سواء في المادة الأسرية أو المنازعات الشغلية والتجارية أو المساطر الجنحية والإدارية. 

مبادئ قضائية أبرزنا بعضها بمناسبة المؤتمر الدولي حول العدالة والاستثمار الذي انعقد بمراكش يومي 21 و22 أكتوبر الجاري والتي تؤكد في مجملها على الدور المحوري للاجتهاد القضائي لحماية حقوق المهاجرين والأجانب وحرياتهم. وهي ليست بالمهمة السهلة أو اليسيرة بالنظر إلى الإشكالات القانونية المسطرية والموضوعية التي تطرحها مثل هذه القضايا والتي تطالبنا بكثير من الحكمة والتبصر لمعالجتها وفقا لجوهر الدستور وروح المواثيق الدولية المصادق عليها وتلزمنا أيضا كمنظومة شاملة للعدالة بمواكبة هذه التحولات وذلك بالاهتمام بالتكوين وتأهيل العاملين على إنفاذ القانون وتوفير البنيات التحتية الملائمة التي تيّسر ولوج المهاجرين للعدالة وتوفر لهم ضمانات محاكمة عادلة داخل آجال معقولة مع التأكيد على أهمية تفعيل كل آليات التعاون الدولي لتوحيد المعالجة القانونية والقضائية للآثار السلبية الناجمة عن الهجرة.

 

الحضور الكريم،

لي اليقين أن الجلسات العلمية لهذا المؤتمر الدولي الهام ستمكننا جميعا كل من موقعه، من التطرق لكل المشاكل الواقعية الناتجة عن قضايا الهجرة والمهاجرين واقتراح آليات وحلول وفق مقاربة تشاركية مندمجة تنهل من كل التجارب الفضلى عبر العالم.

حلول تبحث في المقام الأول والأخير عن كرامة الإنسان وحريته وحقوقه في بعدها الكوني بغض النظر عن جنسيته أو هويته أو انتمائه.

وفي الختام اسمحوا لي أن أجدد شكري وتقديري متمنياً لأشغال مؤتمركم التوفيق والسداد.